http://example.com/sitemap_location.xml

  • ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

الصفاء الروحي، و الإيقاع الصاخب للحياة في أعمال الفنان (نصير السمارة)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تتميز أعمال الفنان السعودي المبدع (نصير السمارة) بالجمع بين أصالة الموضوع، و عمقه، و إيحاءاته الفلسفية، و أبعاده الذاتية الداخلية في الوعي المبدع، و جماليات اللون التعبيرية المجردة، و إيماءاتها الدالة على صخب الحياة، أو البحث عن الصفاء الداخلي، أو التعبير الذاتي عن الاتصال بين العالم الداخلي، و الفضاءات الكونية التي يمتزج فيها حضور اللون بالأطياف، و العلامات، و الرؤى الحلمية، دونما انفصال.
و يبحث (نصير السمارة) - من خلال بعض الأشكال و العلامات؛ مثل المثلث، و المربع، و النوافذ، و الزخارف العربية عن الإحساس المستمر بالامتداد، و دائرية الزمن، و أصالة الوهج الإبداعي، أو الطاقة الكامنة في اللون، و مدى ارتباطها الوثيق باتساع العالم في اللاوعي، و الوفرة الإبداعية في الكون؛ فبساطة الأشكال المطمئنة تثير في المتلقي ذلك التعاطف، أو الانسجام الجمالي المصاحب لدهشة اكتشاف أشياء العالم، و تأويلها كنغمات ذاتية تتجاوز النهايات الحاسمة؛ فالخط يأبى أن يكون ضمن إطار واضح، و يذوب في الإيقاع الواسع للون الذي يقع بين الصخب، و النقاء المتعالي للروح.
إن (نصير السمارة) يعيد اكتشاف الأبنية العريقة، و مساحاتها الفارغة، و نوافذها، و دوال الاحتجاب ذات العمق الجمالي، و الفلسفي من داخل طاقة اللون الإبداعية المجردة التي تتجاوز الموضوع، و تشير إلى إيقاع الحياة الصاخبة، و الخلود بداخله في الوقت نفسه.
لا يحمل الموضوع إذا بنية مستقلة، أو إطارا، و إنما يشير بصورة ضمنية إلى ما فيه من أحلام، و نغمات، و أخيلة تعلن عن حضورها في تكوينات اللون، و امتدادها الروحي في المتلقي، و إحالتها المستمرة إلى أصالة الوجود، و ثرائه الإبداعي غير المحدود بنهايات حاسمة، أو أي بناء فيزيقي صلب.
امتزجت التجريدية التعبيرية بأشباح الموضوع، دون مركزيته في نغمات اللوحة، و أعادت إنتاجه في صور عديدة غير محدودة ممزوجة بالتكوينات المجردة، و إيقاعات اللون؛ و هو ما يؤكد ثراء الاتجاه، و نزوعه المستمر لاستنزاف البنى، و الإيقاعات المتواترة، و مدى إنتاجيته لخصوصية المكان، و تفرد الذات فيه كما هو عند (نصير السمارة)؛ فهو يجمع بين علامات المحلي، و إيقاعها الجمالي العالمي المتحرر، دونما انفصال؛ فالأماكن و الزخارف هي مجالات كونية مجردة، و متجددة في الوعي، و اللاوعي.
و بصدد اتساع مساحة التخيل و التداخل الإبداعي، و عودة الموضوع عقب (التجريدية التعبيرية) يرى (ديفيد شابيرو) أن رقعة العمل الفني قد شملت إعادة إنتاج لصور الفوتوغرافيا، و صارت الدمى كمنحوتات، أما الرسوم المبسطة بالزيت، أو الأكريلك على القماش، فصارت فنا شعبيا بالخامات نفسها، و كذلك أعيد الاستخدام للموضوعات غير المنتقاة.
(Read / David Shapiro, and Cecile Shapiro / Abstract Expressionism: A Critical Record / Cambridge University Press 1990 / p. 25).

لقد احتمل الفن المعاصر إذا فكرة تداخل التجريد بموضوعات أخرى ضمن عملية واسعة الاحتمالات من تقنية إعادة الإنتاج.
و قد تجسد هذا الاتساع عند (نصير السمارة) في مزجه غير التقليدي بين موضوعات، و أطياف، و علامات من الثقافة العربية المحلية بالتجريدية التعبيرية، و ما فيها من تنوع دلالي ذي طابع عالمي.
أولا: أصالة الموضوع:
يتخذ الموضوع موقع البطولة في بعض لوحات (نصير السمارة)، و لكنه يتحد بإيقاع الألوان، و إيحاءاتها التعبيرية على الأبواب، و النوافذ، و في تشكيلات الأرض، و الفضاء، و تبدو الأصالة في الاستقرار، و الهارموني، و الاطمئنان، و العمق الروحي الإنساني الكامن وراء الجدران، و الأشياء، و الزخارف العربية الممزوجة بدلالة الدائرية، و التكرار في نسيج اللوحة المجرد.
تتجسد البيوت، و الأبواب، و النوافذ العريقة المميزة بالطول، و الاتساع في لوحة للفنان، و نعاين فيها الإحساس بالتكرار الإبداعي، و في الأسفل عربة خشبية لنقل البضائع.
و يوحي العمل بالتناغم و التعاطف بين الأبواب، و النوافذ، و الاطمئنان الكامن في إيماءات الأخضر، كما يومئ بالتناقض الفلسفي بين الكشف، و الاحتجاب؛ فثمة حضور للبشر، و للحياة اليومية، و لكنه يقع فيما وراء الدلالات التكوينية للمنزل، و خلف الحركة الافتراضية للعربة الخشبية التي تتصل على نحو وثيق بإيقاعات الأحمر الداكن، و البني أسفل اللوحة؛ إذ تؤول الحياة الخفية للعربة، مثلما يؤول المنزل الأصالة الروحية العميقة للإنسان بالداخل، و إيقاع الأرض يمثل عتبة دخول إلى المنزل المتعالي الذي يشبه بوابة خيالية كبيرة في الوعي المبدع، تصل بين تكوين الأرض، و العوالم الحلمية الفسيحة التي تستشرف الخلود.
و في عمل آخر نعاين صورة مقربة من الزخارف المحيطة بالنوافذ الصغيرة، و نلاحظ تكرار المثلثات التي تأبى الحسم، و تتمرد على إطار اللوحة، كما يمكن مشاهدة بعضها متجها إلى أعلى، و مرة أخرى إلى الأسفل، و تمتزج الزخارف بغلبة الأحمر الحلمي على النسيج.
المثلثات تجسد صعودا غير محدود؛ فهو صعود يمتزج بالزيادة، و التضاعف، و يتخلل الموضوع / البناء، و تجسداته التشبيهية في الوعي؛ فالجزء الأعلى من اللوحة يشبه الحلم الصاخب الذي يعيد إنتاج الزخارف بالأسفل، و تدل على ذلك أشكال المثلثات المقلوبة، و تأثيرها المجسد لطاقة روحية تشبه ديناميكية الحياة المجردة، تلك الديناميكية التي تتواتر في مشروع (نصير السمارة) الإبداعي.
إن الموضوع في هذا العمل يستنزف بنيته الخاصة؛ لأجل العمق الداخلي، و الحياة العالمية الجديدة التي يمنحها العمل للزخارف المحلية العربية، و ما تحمله من أصالة.
ثانيا: غلبة التجريد، و الأطياف كإيماءات داخلية في اللوحة:
يغلب التجريد على لوحات أخرى ل (نصير السمارة)، بحيث يعلي من تكوينات اللون، و تداخل مستوياتها، و مزجها بالموجات، و المربعات، و أطياف باهتة للموضوع، تأتي كجزء من نسيج اللوحة، و ليست ذات حضور مستقل؛ فوظيفتها هنا تتبع إيقاع اللوحة، و تنوع إيماءاتها الدلالية.
تختلط المربعات، بالتكوينات الحرة الممزوجة بطيف إنسان غير مكتمل، أو عين تؤدي وظيفة داخل إيقاعات اللوحة المجردة في أحد الأعمال التجريدية للفنان.
هل هو نشوء داخلي آخر للإنسان؟ أم بحث مستمر عن وجوده، و هويته غير المكتملة في فضاء ما بعد المربعات؟
إن الذات هنا مرحلة طيفية وسيطة بين تكوينات تجريدية مفككة من الضربات الصغيرة الموحية للفرشة، و المربعات التي توحي بمساحة صفاء، و تحقق لا يمكن فصلها عن الطبقات الصغيرة الحرة من اللون، و كأن الألوان المشتركة بين جانبي اللوحة تمثل الآثار المتراكمة المشكلة للتاريخ، و الذاكرة، و اللحظة الراهنة.
و نعاين طبقات من الأحمر الصاخب تمتزج بفضاءات سماوية متعالية تتخللها صفرة متقطعة، و توحي بديناميكية الإبداع، و إيقاع الحياة المتناقض في إيماءات مجردة تتجاوز الموضوع في عمل تجريدي آخر للفنان.
ثمة نغمات تمثيلية للأرض أسفل اللوحة، و للسماء في الأعلى، و تتميز علاقات التكوينات بالتصادم، و التفاعل، و التداخل، و تعددية أصوات الحياة في المنتصف، و تمتزج تلك التعددية بصفاء روحي داخلي، و ظلمة تقترن بإيماءات الخصوبة في الأسفل؛ و كأن صخب الحياة يختلط بأطياف للموت، و البدايات الجديدة في آن.
ثالثا: التجريد، و العودة الإبداعية للموضوع:
يعيد (نصير السمارة) إنتاج العلاقات التأويلية بين الإيقاعات التجريدية، و الموضوع في هذه المرحلة؛ و كأنه يقع في مسافة إبداعية بين الوعي، و الواقع؛ فحضوره لا ينفي طاقة اللون في نسيجه، و تداخلها الرئيسي مع إيماءات اللوحة؛ و من ثم نلاحظ وفرة التأويلات، و الأخيلة التي تصاحب هذا التداخل الجمالي.
نعاين بعض الأبنية تلتف حول مركز للطاقة الروحية في أحد أعمال الفنان، و لا يمكن فصل اللون عن تجسد البناء، و قد تنوعت الألوان بين الأحمر، و الأزرق، و السماوي، و فضل الفنان أن يصورها من منظور الطائر.
تبدو الأبنية في حالة تقارب، أو تعاطف، أو في حالة من الحركة الداخلية، و يفكك اللون صلابة البناء؛ فيصير متعاليا، أو مرنا؛ و كأننا أمام تمثيلات لكواكب تتناثر في الفضاء، و توحي بالثبات في الوقت نفسه، و يرتبط حضور الأحمر بتضاعف العلامات في المشهد، أما الطاقة السماوية الخفية، فتوحي بأصالة الجانب الروحي في البناء.
إن الموضوع ليتجاوز نفسه هنا في المساحات المضيئة الفارغة، و في المجال المتعالي للمنظور.
و يتجلى تكوين تجريدي مماثل لبنية (جبل عرفات)، و تتشكل خلفه المثلثات الممتدة المتجاوزة للزمان، و المكان، و النوافذ الصغيرة المضيئة، و المربعات المتنوعة بين الأصفر، و البني، و نلاحظ أطيافا مضيئة لبشر، ثم تكوينات مجردة تشير إلى فكرة التجاوز المستمر أسفل اللوحة.
الفضاء مملوء بإشارات الأصالة، و الاطمئنان، و الطاقة الروحية المضيئة، بينما توحي التشكيلات التي تقع أسفل اللوحة بالتحولات الذاتية الداخيلة باتجاه النور، و يبدو البشر كنجوم تحاول اكتساب الوجود الدائري الخالد، و الممتد فيما وراء النهايات.
و تتجلى رؤوس الأحصنة في عمل آخر يجمع فيه (نصير السمارة) بين الشكل، و إيقاعات الفضاء في اللوحة؛ إذ تندمج الأحصنة بنغمات تجريدية للأصفر المضيء، و الأحمر، و الأزرق، و الأسود، و يعلو إيقاع الأخضر قليلا أسفل اللوحة.
ثمة حضور حلمي للحياة في اللوحة، و تكامل بين العناصر الكونية، و تأويلاتها اللونية في العمل، و يبدو هذا في درجة الشفافية في تكوين الحصان، و التي تصله بشكل أساسي باللون المضيء، و بالنسيج الكوني لنغمات الكون المتنوعة.
إن (نصير السمارة) يجمع في هذا العمل الفني بين رموز الثقافة العربية الموحية بالديناميكية، و التغيير، و المستوى الحلمي العالمي المجرد لفكرة الحياة، كما يحاول القبض على لحظة النشوء الجمالي للعلامة، أو الإيماءة في الوعي، و الحلم، و الواقع معا.
و يواجه رأس الحصان طيفا لامرأة ترتدي زيا عربيا في عمل آخر، و تتجلى عينان كبيرتان في الفضاء، و تختلط تلك العلامات بالمربعات، و ضربات الفرشة المجردة في الخلفية، و تبدو إيقاعات اللون كالماء في الأسفل.
تبدو إنتاجية العين كموضوع للتلقي في اللوحة؛ فهي تشبيه للإنتاجية في صورة حلمية تختلط باللون، و كأن الفنان يقع دائما في قلب الحالة الإبداعية المتجاوزة لذاتيته، و توحي المربعات ذات الألوان، و الإيقاعات الوفيرة بالوهج، و خصوبة الخيال، و ثراء الروح بالصور و ما تحمله من إيقاع داخلي؛ فثمة اتساع يشبه البحر، و يومئ بتكامل الشكل، و الطاقة المجردة للون.
و يتجسد البناء العتيق المجاور لبرج في فضاء يجمع بين الداخل، و الخارج، و الحياة، و إيحاءات الصمت في آن في عمل فريد للفنان (نصير السمارة).

و يعلي العمل من الظهور، و الاحتجاب بمدلوله الفلسفي؛ فثمة حياة لهذا الصمت نفسه، و حياة تكمن وراء الشكل؛ فالمنزل ينتج طاقة روحية استعارية خاصة به في الوعي، و اللاوعي، و ربما حاول الفنان إعادة إنتاجها في الأحمر الصاخب في الخلفية؛ و هي تجمع بين وهج الحياة، و صمت العتمة، و غموضها الإبداعي، دونما انفصال.
و يخيم الهدوء على برج الحمام القديم، و لكنه محمل بطاقة حلمية كبيرة؛ إذ يتهيأ للحركة الصامتة باتجاه إيقاع الحياة المتجدد.
د. محمد سمير عبد السلام مصر
msameerster@gmail.com
[/size]


image

image

image

image


image

image


image


image


image
[/center][/justify]

بواسطة : بقلم / د. محمد سمير عبد السلام مصر
 0  0  4.7K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية