• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

فسيولوجية الأبعاد وثلاثية النص في أعمال الثقفي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عندما تعرفت من خلال المنتج الفني المتأني على مستوى الكيف للفنان محمد الثقفي، أدركت أنه من طينة المبدعين الذين تتفتق قرائحهم، وتنطلق إرهاصاتهم الخطابية من ذاكرة الذات التي يترجمها إلى ثلاثية النصوص موازاة مع مثيلاتها على مستوى الأبعاد (الحامل - والمحمول - والناتج)..
فالحامل في العمل النحتي هو المادة العضوية المجسدة، والتي تحرض المتلقي باستفزاز على اعتبارها الوجهة الأوضح للولوج للتعاطي مع أي عمل نحتي على المستوى البصري.. وهذا ينسحب بقوة وبذكاء عند محمد الثقفي، حيث إن الواقف أمام أحد أعماله يداهمه بحتميةٍ عنصر الاستفهام عن ماهية المادة المتفردة، أو عديد المواد في حالة العمل المركب عنده.. مواد يمكنني أن أقول بأنه يصطفيها بأناقة، وبحث لتحميلها خطابه أو خطاباته.. وبالتالي فأي منتج فني في حالة الثقفي باعتباره نحاتًا متعدد الوجهات فيما يخص الخامات المتداولة لديه، والتي تعطينا في أغلب نتاجاته أعمالًا مركبة.. فإن هذا المنتج لابد وأن يتقدمه عنصر الخامة، أو كشكول المواد المقترحة التي تظل هي الأوفر حضورًا قبالة عين المتلقي.. ولهذا فلقراءة المنجز الإبداعي في نسخته المجسمة يلزم التعرّف أولاً على ماهية تكوينه المادي كمدخل أوحد لاستنطاق العمل الذي يعتبر في الأول وفي الآخر، رسالة، أو رسائل يود الفنان إيصالها.. تعرفٌ نروم منه الوقوف على ماهية المادة الموظفة، وكذا على المدى التعبيري الذي يؤهلها لحمل خطاب بذاته يكون متوازٍ لها.. فلنأخذ -مثلاً- من مادة الرخام الذي تصدّى له الثقفي صلابته، حيث يمكننا أن نُلبسها أكثر من استعارة كالقوة، أو القسوة، أو الحزم، وما إليها، وذلك حسب التشكل العام للعمل.. وعلى غرار هكذا إسقاطات يمكننا ترجمة مثالية الذات ورهافة الحس أو التجلي بوضوح على مادة (ريزن) الشفافة، والتي يمكن أن نصفها مجازًا أنها تدثر بوضوح، حيث إنها تغطي ما تحتها دون أن تخفي معالمه.. هذه المادة التي لا أراها من زاوية بعيدة أكثر من مادة حافظة. إنما تذهب بنا إلى مقارنتها -مثلاً- بالأمومة، حيث الاحتواء وليس الإخفاء أو الاحتضان، لا الإقصاء هذه المادة التي أستطيع تسميتها بالضيفة على بعض أعمال محمد الثقفي، والذي لفت انتباهي أنه وبوعي المبدع لم يُفرط في إغراق مشهده الإبداعي بها.
ومن هذا لذاك مرورًا بالخزف الذي لا يمكننا إلاّ الاتفاق على أنه خطابيًّا يمثل الأرض، وبالتالي الأصل (أصل الإنسان) وهذا ما يؤهله بامتياز أن يكون حاملاً لأكثر من رسالة وأبعد من سؤال ما دام الفنان وبغير إجبارية مضطرًا إلى أن يجعل من نفسه الفلك الذي تحوم حوله جل الأسئلة.
أمّا المحمول فهو الذي من أجله عَنونْت هذه القراءة بفسيولوجية الأبعاد مناصفة مع ثلاثية النص عند الثقفي.. حيث الرشاقة التي تنم عن سلوك حركي عمودي جامح رغم حضور الرصانة، وعدم الغُلو في العفوية؛ لأن النسق العمودي -والذي ينسحب على معظم منجزات الثقفي وحده- كفيل بتوفير فضاء أرحب، والذي يتيح للنحّات أن يتسلّقه معلنًا بقوة الصوت عن خطابٍ غير متواضع لا حدود لجغرافيته الفكرية.. أقول بعَمودية المشهد العام هذه أولاً لأن أنجح المنجزات وأشهرها وأكثرها حضورًا على مستوى النحت تأخذ الشكل العمودي الشامخ صعودًا أو المتساقط نزولاً.. وهذا ليس تحيزًا لهذا الاتجاه دون غيره، ولكن لأنه -فقط- يتيح الحيز الأكبر والأكثر متعة لدى النحات المبدع الطامح للحركة، وبالتالي الانطلاق من خلال عنصري الرشاقة والانسياب، وكذا تناسقهما لبثِّ خطابه، أو خطاباته من خلالهما.. ولأنه ليس بالضرورة أن يكون المنتج الإبداعي النحتي أحادي الخطاب، فإن تعدد الخامات في المنتج الواحد أقرؤه باعتباره تناصًّا على غرار الأدب.. ولأن الثقفي من البدء إلى المنتهى هو هذا النوع (الإنسان) الموجود والمثقل بحمولة الأسئلة الأبدية، والتي تتضاءل جل طاقاته وتكويناته أمام أن يحتوي الحد الأدنى ممّا يكفيها ويكفيه من الأجوبة.. فإنه لن يحيد عن مدار هكذا توجهات خطابية، والتي وإن اكتنفها ضجيج الغموض -لأن المادة الفنية ليست لغوية بالمفهوم المباشر- إلاّ أنّنا هنا ومن خلال منتج يسوده الحد المطلوب من الوعي الخلاق يستطيع محمد الثقفي أن يحفز سؤالاً، أو أكثر في ذهن المتلقي الذي يستمد قوته الاستفزازية من بعد الفنان التعبيري بالمادة أحادية كانت أو مركبة، وكذا الجموح المدروس في الحركة العمودية التي تعكس انطباعًا بالأكاديمية في كثير الأعمال.

بواسطة : المدينة-قراءة - محمد الشهدي
 0  0  310

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية