• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

شرفة على العصر-روعة الفنون «البدائيّة»

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 عيسى مخلوف

الفنّ البدائي الذي بهر الفنانين التشكيليين في فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، وترك أثره العميق على أعمال الكثيرين ومنهم بالأخصّ بيكاسو، لا يزال إلى اليوم محطَّ اهتمام كبير. ولا يمرّ عام في باريس بدون أن نشهد عدداً من المعارض التي تتناول الفنون الإفريقية والأوقيانية، وذلك في متاحف عدّة يأتي في مقدمتها متحف \"كي برانلي\" الذي شيّده الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك للتعريف بالفنون البدائية.

يُقام في هذا المتحف ولفترة الصيف معرض للأقنعة والتحف الإفريقية. يعدّ هذا المعرض مناسبة فريدة لمحبّي هذه الفنون لأنه يحتوي على أقنعة وقطع نادرة يُعرَض بعضها في العاصمة الفرنسية للمرّة الأولى. ومن المتوقع أن يزوره آلاف الزوار خاصة أن متحف \"كي برانلي\"، وبعد سنوات قليلة على افتتاحه، بات يتمتع بشعبية كبيرة ويؤمّه الزوار القادمين من مختلف دول العالم، بعد أن أصبح يمثّل أحد أبرز الصروح الثقافية الفرنسية.

يضمّ المعرض حوالي مائتي تحفة وقد اشرف عليه العالِم البلجيكي فرانسوا نيت وهو في السبعين من عمره ومتخصص في الفلسفة والآداب ويعمل على دراسة فنون إفريقيا الوسطى منذ أربعين عاماً. ولد نيت في ما يعرف اليوم بجمهورية الكونغو وعاش عشرين عاماً في القارة الإفريقية ثم عاد إليها نهاية الستينات ليعمل كأستاذ جامعي وكباحث مما سمح له منذ ذلك الحين أن يكتب الكثير من البحوث حول الفنون الإفريقية وكان آخرها البحث الذي يتألّف منه الكاتالوغ الفخم الذي يرافق المعرض المقام حالياً في متحف \"كي برانلي\".

يهدف المعرض إلى التعريف بالفنون الإفريقية قبل مرحلة الحداثة وهيمنة قيم الاستهلاك مؤكداً على ارتباطها بأساطير أهلها وطقوسهم مهما تنوعت أصولهم العرقية واللغوية والإتنية. التحف التي نشاهدها لم تُصنع لتوضع في متحف أو في معرض بل كانت جزءاً من المعتقدات المتوارثة منذ مئات السنين. لقد عبّرت عن حاجة نفسية راسخة في وجدان صانعيها وترجمت أحاسيس الجماعة وأساطيرها. نحن هنا أمام فنّ وظائفي بامتياز وهو غالباً ما ارتبط بالحفلات الموسيقية الطقوسية التي كان يقيمها سكّان القارة السوداء. من هنا قام منظّمو المعرض ببثّ الموسيقى الإفريقية في القاعات لاستعادة أجواء تلك الاحتفالات. في هذا السياق، يتّضح أيضاً كيف يمكن الفن أن يكون في خدمة الأساطير.

تحضر الأقنعة بصورة متألقة في المعرض، وكانت تستعمل خلال تأدية السكّان لأنواع من الرقص، كما كانت تمثّل جانباً أساسياً في الاحتفالات الطقوسية إلى جانب الموسيقى والغناء. يؤكد المعرض أيضاً أن الموت ومخاطبة الأجداد هما من المواضيع المهمّة التي هيمنت على هذا النتاج الإبداعي ومن خلالها عبّر الفنانون عن تعلقهم بأجدادهم وعن رغبتهم في أن يظلّوا حاضرين معهم في الحياة الدنيا.

إلى ذلك، يكشف المعرض عن التأثير الكبير للفنون الإفريقية على نتاج الفنانين الغربيين الكبار الذين ساهموا في صياغة مسيرة الفن الحديث. صحيح أنّ مؤرّخي الفنون الغربيين لم يعترفوا، مطلع القرن العشرين، بهذه الفنون كنتاج إبداعي حضاري مميّز ووضعوها في خانة الفنون الهمجية، غير أنّ ثمة عوامل كثيرة ساهمت في تبديل هذه الرؤية منها انبهار كبار فناني أوروبا بهذه الفنون بعد اكتشافهم لها واستيحائهم مباشرة من قيمها الجمالية في ثورتهم ضد القيم الكلاسيكية التي هيمنت على نتاج الفنّ الغربي لسنوات طويلة. الفنان الاسباني بيكاسو أعاد صياغة لوحة \"آنسات أفينيون\" التي مهّدت للتيار التكعيبي بعد تعرّفه على الفنون الإفريقية والأوقيانية في \"متحف الإنسان\" في باريس. وينطبق ذلك على فنانين آخرين أمعنوا في قراءة مكوّنات تلك الفنون ومنهم الفرنسي ماتيس والألماني ماكس إرنست، والفنّانون السورياليّون بعامّة.

الاهتمام بالفنون الأولى لم ينحصر فقط في أولئك الذين كرّسوا قيم الحداثة، بل ذهب أبعد من ذلك ليطال علماء الإنسانيات ومن أبرزهم عالم الأنثروبولجيا الراحل كلود ليفي ستروس الذي كرّس حياته لدراسة المجتمعات البدائية ودافع عن حقّها في الوجود والحفاظ على قيمها الثقافية. أما العالم فرانسوا نيت الذي يشرف على المعرض فيأتي عمله الوثائقي ضمن هذا الإطار التاريخي الذي أعاد الاعتبار لهذه الفنون وكشف عن قيمتها الحقيقيّة
بواسطة : الإدارة
 0  0  532

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية