• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

فن التصوير الجداري الجداريات العسيرية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 إخبارية الفنون التشكيلية-

المجلة العربية-علي عبدالله مرزوق-بدأ الإنسان في تعلم الرسم منذ آلاف السنين، قبل أن يعرف القراءة والكتابة على جدران كهفه، وعلى السفوح الجبلية المحيطة به، سجلها التاريخ بمداد من ذهب؛ لتكون شاهدة على تفوقه، بدأ الإنسان في تعلم الرسم منذ آلاف السنين، قبل أن يعرف القراءة والكتابة على جدران كهفه، وعلى السفوح الجبلية المحيطة به، سجلها التاريخ بمداد من ذهب؛ لتكون شاهدة على تفوقه، ونجاحه في التغلب على قسوة الحياة. وامتد هذا الاهتمام حتى العصور الإسلامية التي كانت على موعد مع تزيين المساكن بالتصاوير الجدارية، ولم تكن منطقة عسير بمعزل عن هذا التأثر فكان لها نصيب مع الإبداع والجمال فجاءت مساكنهم مزينة بأعمال جدارية تعكس بيئة وطبيعة المنطقة.

وتواصل العطاء لتزيين المنطقة بأعمال جدارية لفنانيها التشكيليين المعاصرين الذين قاموا بتسجيل انطباعاتهم وأفكارهم وتطلعاتهم، وكل ما تقع عليه أعينهم من مظاهر تصور ما تتمتع به المنطقة من طبيعة خلابة، وعمارة تقليدية تجمع بين البناء والتوظيف الجمالي.
تعريف التصوير الجداري
جدير بنا ونحن نتناول التصوير الجداري كظاهرة فنية تشكيلية مهمة في منطقة عسير أن نقف أول الأمر عند المعنى اللغوي والاصطلاحي، فعند البحث في معاجمنا اللغوية عن مادة (جدر) فإننا نجد أنها لا تخرج عن معنى واحد ربما شكل في أساسه الدافع إلى اختيار هذه اللفظة (حائط)، ومنحه معناها الاصطلاحي المتعارف عليه اليوم. فالمعنى لا يخرج عن الحائط في لسان العرب. وجمع الجِدار: (جُدُر)، وجمع الجمع «جُدْران».
أما المصطلح نفسه تصوير جداري Mural Painting فقد جاء من اللاتينية وتعني الحائط Murus، والمصطلح يطلق على التصوير الذي يكون على الجدران والسقوف. بأية وسيلة مستخدمة كالفسيفساء أو الفرسكو.
نشأته وتاريخه
يعتبر التصوير الجداري من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، فقد مارسه إنسان الكهف قديماً داخل كهفه بأبسط الأدوات المتاحة في ذلك الوقت، تعبيراً عما يجول في خاطره، ويشهد بذلك الكثير من الرسوم على حوائط كهوف التاميرا على خليج بسكاي شمال إسبانيا، وكهوف أجانتا في ولاية حيدر أباد، وكهوف لامادلين في فرنسا.. وغيرها من الأماكن.
وعُرفت الصور الجدارية في التصوير الصيني القديم، كما عُرفت كذلك خلال العهد الساساني, واستخدم في تنفيذها ألوان الفسيفساء التي انتشرت كذلك في الكنائس البيزنطية. كما عرفت خلال العصور القديمة لدى حضارات وادي الرافدين، ومصر والشام وفارس وآسيا الصغرى.
ولأن الرسوم على حوائط الكهوف كانت مردومة بطبقات قديمة من الملاط بعضها يحتوي على مخلفات وبقايا ترجع إلى أزمنة معينة، فقد ساعد ذلك على الحفاظ عليها بعيداً عن أيدي العابثين إلى أن قام الآثاريون بإظهارها.
خامات وأدوات
لقد تمكن إنسان العصر الحجري القديم من استخدام أدوات وخامات بسيطة لتنفيذ رسومه الجدارية، فكان يستخدم أصابع يديه بداية في تلوين رسومه بعد غمسها في معجون من الألوان المستخلصة من الطبيعة. يرى العالم بريل أن هذه التقنية تعد من أقدم الأساليب التشكيلية التي عرفها الإنسان، ثم «استخدم الفرشاة المصنوعة من شعر الحيوان أو من فروع الأشجار في أعمال التلوين بعد أن تطحن حتى تصبح مسحوقاً، ويتم مزجها ببعض الشحم الحيواني مستخدماً قرون الوعول المجوفة وعاءً لها، ثم يلفها حول وسطه؛ مما سهل عليه الرسم والتلوين ويداه خاليتان». ومع التطور والتقدم الصناعي الذي ساهم بشكل فاعل في صُنع كل ما يحتاجه الإنسان في حياته المختلفة؛ حظي الفن التشكيلي عن غيره من سائر أنواع الفنون بنصيب وافر من الخامات الفنية المتنوعة، سواء كانت تلك الخامات قاسية ومتماسكة كالخشب والحجر، أو لينة كالفخار وألوان الزيت؛ لتكون في مجملها خلاصة التجارب والاكتشافات الصناعية التي توصل إليها الإنسان منذ نشأته، ولتحكي لنا قصة المواد المستعملة في الفنون التشكيلية على مر العصور. فتعددت بذلك التقنيات المستخدمة في التصوير الجداري حاضراً حتى شملت: الألوان الزيتية بعد خلطها بمعاجين مختلفة، والمعادن بأنواعها، والخزف، والرخام، والزجاج، والنسيج، والطباعة، والخشب، الكتل الإسمنتية المسلحة، وهناك من يؤلف بين مجموعة من الخامات كأن يستخدم النحاس والحديد إلى جانب الخشب، أو لصق قصاصات من الورق على سطح القماش كما فعل بابلو بيكاسو، أو لصق قطع ثخينة بارزة كما فعل روبرتوكريبا، وتعدى ذلك إلى استخدام الإضاءة والصوت وربما الحركة.
وتتعدد التقنيات التي كانت تستخدم في تنفيذ التصوير الجداري والتي منها التمبرا، وألوان الزيت، والألوان المائية, ونستعرضها كما يأتي:
التمبرا (Tempera)
وهي طريقة استخدمت في فن التصوير الجداري باستخدام زلال البيض وخلطه بالألوان مع قليل من الماء، واستخدمت هذه الطريقة في العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة. كما عرفها الفراعنة، واستخدمت فيها مواد لاصقة مثل: الصمغ الطبيعي، وبياض البيض؛ للتأكيد على البارز والغائر.
التصوير الجصي أو الفرسكو (Fresco)
الفرسكو كلمة إيطالية تعني رطب، وهو من طرق التصوير على المصيص (الجص). وطريقته أن يكسى الجدار بطبقة من الجص أو الطين ثم يطلى فوقها بالألوان الأرضية المذابة في الماء على أن يوضع الطلاء قبل أن يتم جفاف هذه الألوان حتى يتشرب الجص باللون أثناء جفافه، وبذلك يتفادى تساقط الطلاء، أي قبل تفاعله الكيميائي وجفافه التام. ومن الفنانين الذين رسموا على الجص الرطب الفنان ميكل أنجلو عندما رسم على سقف كنيسة سيستين بروما. وقد يتم التصوير بالألوان المائية الجيرية على الجص وهو في حالة من الجفاف التام، تماماً كما فعل الفنان المصري قديماً عندما رسم على مقابره ومعابده.
الفسيفساء
وهي من الطرق التي شاع استخدمها في التصوير الجداري عند المسلمين منذ بواكير العصور الأولى، والفسيفساء كلمة مشتقة من اللغة اليونانية والمقصود بها الموضوعات الزخرفية المؤلفة من أجزاء صغيرة ومتعددة سواء من الزجاج أو الحجر وتثبيتها على الجص أو الإسمنت. واستخدمت الفسيفساء كذلك في كثير من الفنون مثل: الفن الإغريقي، والروماني، والفنون المسيحية.
ومن تقنيات التصوير الجداري التي انتشرت كذلك، زخرفة السطوح الحجرية بنقوش غائرة وبارزة.
تجهيز وإعداد
يبدأ التجهيز للجداريات باختيار المكان المناسب للجدارية، ثم تجهيز الحائط المراد الرسم عليه والقيام بأعمال الترميم أولاً قبل الشروع في الرسم والتلوين، فلا بد من معالجة الشقوق وإزالة الأوساخ العالقة بالجدار، ثم طلاؤه بمواد خاصة تكفل بقاء الجدارية مدة أطول، وتحول دون تلفها مستقبلاً.
زخارف وعمارة
ارتبط التصوير الجداري الإسلامي عادة بالزخارف المعمارية؛ نظراً لما تقوم به من كسر للفراغ، وربط للحوائط الداخلية. وبالنظر إلى تلك الرسوم نجد أنها ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الذي يُحرم تصوير ذوات الأرواح؛ مما جعل الفنان المسلم يبتعد عن تقليد وتسجيل الواقع إلى تسجيل أحاسيسه وانفعالاته, فأصبحت رسومه ذات طابع زخرفي تبتعد عن الواقع وتعتمد على الخيال. ودليل ذلك بعض الشواهد والكشوف الأثرية التي تؤكد وجود تصاوير جدارية إسلامية ملونة يرجع بعض منها إلى العصر العباسي الأول. كما كشف المقريزي عن وجود مدرسة للرسوم الحائطية الملونة الإسلامية ازدهرت في مصر الفاطمية، وذكر أن المصورين العراقيين تباروا مع المصورين الآخرين في رسم تصاوير جدارية أظهروا فيها براعتهم في التلاعب بالألوان وتأثيراتها.
ولقد ارتبط التصوير الجداري الإسلامي بالعمارة فاستخدمه الأمويون على الأسقف، وعلى الأجزاء العلوية من جدران قصير عمرا، وتعد من أقدم الرسوم الحائطية التي اكتشفها موزيل Musil سنة 1898م -كما يذكر ديماند. كما استخدمه العباسيون على جدران قصر الجوسق الخاقاني في سامرا، أما الفاطميون فاستخدموه على جدران الحمامات في القاهرة. بينما تغطي التصاوير الجدارية أرضيات قصر الحير الذي يرجع نسبته إلى هشام بن عبد الملك، واستخدم فيها الفريسكو بدل الفسيفساء التي استعملها الأمويون في تكسية بعض غرف قصورهم.
وفي منطقة عسير موضع الدراسة عُرفت الجداريات منذ عهد ليس بالقريب، فمنذ آلاف السنين وإنسان هذه المنطقة يقصد الجمال ويهتم به، إذ كانت الرسوم الصخرية أحد نشاطاته اليومية التي سجل من خلالها العديد من المشاهد عن حياته خلال فترات تاريخية مختلفة، بدأت من العصر الحجري الحديث، وشكلت الرسوم الصخرية الآدمية والحيوانية والنباتية أحد أبرز تطوراته، واستمرت خلال العصور التاريخية حتى بداية العصر الإسلامي الذي ربما اختفت فيه الرسوم التصويرية إلى حد كبير.
وقبل أكثر من 300 سنة زين أبناء عسير بما يملكونه من مقومات البناء والتجميل مبانيهم التقليدية من الداخل والخارج بجداريات قوامها أشكال وزخارف مجردة، إذ نجدها على واجهات المباني الحجرية مستخدمين أحجار المرو الأبيض (الكوارتز) في تنفيذها حيث تتباين مع ألوان الحجارة الداكنة المستخدمة في البناء. وقد وصف ذلك عسيري في كتابه بقوله: «في منطقة عسير تُرسم على الجدران لوحات فنية باستعمال المرو الأبيض، كأن تُرسم نجوم أو أهلة أو أسلحة مختلفة ؛ فيبدو ذا شكل جذاب كأنه حجر الواجهات المستعمل اليوم أو الرخام». وعند تعرض هذه الأشكال لضوء الشمس فإن ذلك يسمح للأضواء والظلال أن تتلاعب عليها؛ بما يخفف من حدة الضوء الشديد على المبنى، ويضفي على الجدار رونقاً وجمالاً. ولم يكتف أهالي عسير بتجميل مساكنهم من الخارج بالوحدات الزخرفية المتنوعة فقط، بل امتدت تلك العناية لتشمل داخل المسكن حيث تحرص ربة المنزل على جعل منزلها مرتباً جميلاً يعكس ذوقها واهتمامها فتجمله بشتى فنون الزخرفة والتزيين، فالمجالس والغرف وبيت الدرج وكذلك الأسقف كانت تحظى بالعناية والاهتمام مع تجديد هذه الزخارف في كل عام؛ فاكتسبت بذلك صفة الاستمرار والخلود.
ريادة وإبداع
وتعد المزينة -كما يُطلق عليها- فاطمة بنت علي أبو قحاص من رواد التصوير الجداري في منطقة عسير، ولا تزال تمارسه رغم تخطيها العام السابع والثمانين من العمر، كما أنها تعد واحدة ممن لهن بصمة واضحة وأسلوب متميز في منطقة عسير يختلف عما نشاهده في معظم منازل المنطقة من الناحيتين البنائية والجمالية، حيث تعكس أعمالها الثراء الزخرفي، والدقة في التنفيذ, فوحداتها عبارة عن مجموعة مترابطة من المنمنمات الدقيقة التي تتشابه إلى حد كبير مع ما هو موجود في الفن الإسلامي. وعند قراءة وتحليل العمل الجداري لفاطمة أبو قحاص الذي يزين بهو فندق قصر أبها، ويشغل نحو متران وربع المتر المربع؛ نلحظ أن العمل يعكس المكان/عسير، وفق أسلوب يجمع بين الرمزية والتجريدية الزخرفية، فاستطاعت بذلك أن تُخضع الطبيعة إلى عالم من الإشارات والرموز. ولكي تتضح الرؤية -فلا يلتبس علينا الأمر- علينا ملاحظة أن التصميم الزخرفـي هنا يقوم على الشكل الكلي وليس على الجزئيات والوحدات المكونة له، كما أنها حرصت على ألا تجعل من علاقاتها وأشكالها الزخرفية مناطق توقف للرؤيا؛ بل حاولت أن تجعل العين تستكمل رؤيتها عبر كل الوحدات والشرائط الزخرفية المصاحبة.
ورش ودورات
نبعت فكرة الجداريات في منطقة عسير في عام 1406هـ عندما حددت بلدية أبها مجموعة من الحوائط الاستنادية لتزيينها بلوحات جدارية لأبرز فناني منطقة عسير في ذلك الوقت، فجاءت بمثابة المعرض التشكيلي المفتوح الذي يعكس الجمال ويوثق التراث.
ويعد الفنانون: سعود القحطاني، وعبدالله الشلتي، وعبدالله البارقي، وعبدالعزيز العواجي من أوائل التشكيليين الذين ساهموا في تزيين مدينة أبها بلوحات جدارية تشكيلية تعكس ما تتمتع به منطقة عسير من جمال في الطبيعة وثراء فني معماري وزخرفي.
واستمر الاهتمام بالجداريات في منطقة عسير فقام قسم التربية الفنية في كلية المعلمين بعمل أول ورشة في التصوير الجداري عام 1414هـ بغرض تزيين حوائط الكلية برسوم جدارية نفذها كل من: عبدالله الوليدي، وعبده عريشي، ومحمد مالح، وأحمد سارح، وصديق كشاف، وعلي مرزوق.
وفي عام 1420هـ قدمت قرية المفتاحة دعوات لمجموعة من فناني المملكة أمثال: نايل ملا، ومفرح عسري، وزمان جاسم، وحمد المواش، وإبراهيم بوقس، لتزيين حوائط القرية بأعمال جدارية نتج عنها أكثر من 7 أعمال جدارية. ثم نظم قسم التربية الفنية في كلية المعلمين عام 1422هـ ورشة تشكيلية متخصصة في التصوير الجداري تحت مسمى جداريات ذواق, التحق بها عدد من فناني عسير، أمثال: عبدالله البارقي، ومعيض الهاجري، وسعيد الشهراني، وعبدالله محيا، وسعد القيري، ومحمد الشراحيلي، وعبدالناصر العمري، وأحمد ماطر.. إضافة إلى أعضاء هيئة التدريس في قسم التربية الفنية المشرفين على الورشة وهم: الدكتور سيف الدين سيد، وعلي مرزوق، وأبو عبيده حامد، وطارق عابدين، وقماش علي. واستمر برنامج جداريات ذواق الذي تقدمه كلية المعلمين خدمةً للمجتمع في كل عام، مع زيادة في أعداد المشاركين مثل: الدكتور سعد العبد، وياسر آل عرفج، وعبد الله الشهري، وسعد الأحمري.
ثم جاءت فكرة تزيين الخزن الإستراتيجي في أبها بلوحات تشكيلية جدارية تمنح المكان الحيوية والجمال، واختارت جمعية الثقافة والفنون في أبها عدداً محدوداً من فناني المنطقة لتنفيذ هذه الجداريات وهم: حسن عسيري، فايع الألمعي، محمد الشراحيلي، إسماعيل الصميلي، وعبده العريشي.
هذه الورش التشكيلية المتخصصة في التصوير الجداري ساهمت في التعريف بمبدعيها من فناني المنطقة، وبالتصوير الجداري، وكيفية التعامل الأمثل مع المساحات الممتدة، إضافة إلى ما تقوم به من دور جمالي تزييني للحوائط الصماء؛ مما ينعكس إيجاباً على إمتاع المشاهد. كما أن نقل العمل الفني التشكيلي من المراسم والمعارض المغلقة إلى مساحات ممتدة دائمة التواصل مع الجمهور قد ساهم بشكل غير مباشر في رفع الذائقة الفنية للمجتمع وتثقيفه فنياً.
قراءة وتحليل
وعند القراءة التحليلية للأعمال الجدارية في منطقة عسير فإن المساحة المتاحة لا تسمح لقراءة كل الأعمال؛ لذا سوف نسلط الضوء على بعض منها.
بداية نجد التشكيلي سعود القحطاني قد نفذ 6 جداريات مختلفة المساحات والمواضيع في أماكن مختلفة من مدينة أبها، وتعد لوحته (المملكة في عيون الأمن) التي نفذها عام 1423هـ من أبرزها، وقد نفذها على مساحة تقدر بحوالي 500 متر مربع، واستغرق تنفيذها 16 يوماً، بمعدل 18 ساعة عمل يومياً. الجدارية أقيمت على حائط استنادي على طريق الملك عبد العزيز، وجاءت لتمثل بانوراما تشكيلية عن الأمن في المملكة العربية السعودية جاعلاً ما يشبه الأشعة تنطلق من منتصف شعار الأمن الذي يتوسط اللوحة لتمثل بذلك العين الساهرة على راحة المواطن والمقيم على حد سواء في جميع أرجاء الوطن, هذه الأشعة التي تتقاطع مع المساحات العرضية للسماء جاءت لتلقي بنورها على مناطق السعودية الخمس، ابتداء من المنطقة الشرقية، ثم المنطقة الوسطى، ثم المنطقة الجنوبية، ثم المنطقة الشمالية، فالمنطقة الغربية، مستخدماً الرموز التي تدل على هذه المناطق. أما ألوانها فشفافة تعكس شفافية الأشعة المنطلقة التي تتدرج ألوانها لتؤكد مايسمى الخداع البصري الذي يوحي للرائي بالخروج والدخول لهذه الأشعة, فتجدها تارة بارزة إلى الأمام، وتارة تتوارى إلى الخلف. كما أن ما يميز هذا العمل الجداري تعددية ألوانه بدرجاتها المختلفة، وعلى الرغم من ذلك لم تفقد اللوحة وحدتها وتكاملها وانسجامها. وفي أسفل اللوحة نجد شريطاً زخرفياً ممتداً, رُسمت في داخله مجموعة متراصة من المثلثات المتداخلة المعدولة والمقلوبة، والتي تترابط فيما بينها وكأنها تشكل طوقاً أمنياً يحفظ للوطن أمنه وحدوده.
أما التشكيلي عبدالله الشلتي فقام بعمل مجموعة من الجداريات التي تصور المناظر الخلوية الخلابة، والموروثات الشعبية لمنطقة عسير، مستخدماً الألوان الغنية بأسلوب يميل نحو التأثيرية. وبرغم خلو أعماله من الشخوص إلا أننا نستشعر وجودهم، بل نسمع قرع نعالهم بين الأزقة، وداخل فراغات البيوتات.
أما ضربات فرشاته فتتكرر في مساحات اللوحة محدثة بذلك شيئاً من الإيقاع اللوني والشكلي، هذه الضربات الجريئة والسريعة نجدها وقد حولت النص البصري من أشكال وخطوط ومساحات إلى مواضيع تمس حياتنا، وتقترب من بيئاتنا. هذه الألوان يقول عنها عبد الرسول سلمان: «لمسات ألوان الشلتي سريعة، تتلاشى فيها المكونات مع السطوح».
في جداريته الأخير التي رسمها على طريق مطار أبها، بطول حوالي 60م؛ أظهر الشلتي أسلوباً جديداً يجمع بين الاتجاهين التأثيري والتكعيبي معاً، وفق بنائية محكمة تؤكد تمكنه من أدواته، وتعامله الأمثل مع المساحات الممتدة، مستخدماً ألواناً تجمع بين الباردة والحارة, وإن كان اللون الأبيض يسيطر على أغلب مساحاتها. كما استطاع الشلتي أن يجمع في موضوعها مناطق المملكة المختلفة بتنوعها المعماري والصناعي، لتكون بذلك شاهداً على التطور الذي تحظى به جميع مناطق ومحافظات المملكة.
أما التشكيلي عبد الله البارقي فتتوزع جدارياته في منطقة عسير بين مدينة أبها ومحافظتي المجاردة ومحايل عسير، وتعد جداريته في مركز بارق الموقعة عام 1423هـ، وتشغل مساحة 320 متراً مربعاً من الجداريات التي تنفرد بأسلوب خاص؛ كونه استخدم في تنفيذها عدد الوسائط والتقنيات المختلفة مثل: الإضاءة، والزجاج الملون، وألوان الأكريلك، إلى جانب البلك الخرساني للتأكيد على الريليف البارز. وقد استغرق العمل فيها حوالي 90 ساعة عمل متقطعة، ولمدة تزيد على الشهرين.
وعند القراءة التحليلية للعمل نجد أنه في مجمله يمثل بعض الطرز المعمارية التقليدية في منطقة عسير، وما يتعلق بها من مكملات زخرفية شعبية، وقد وفق البارقي في المزج بين العمارة، والوحدات الزخرفية المرتبطة بها، فظهرت بشكل تلقائي بعيدة عن التعقيد والتكلف حتى وإن ازدحمت مفرداتها، وتعددت خطوطها وألوانها إلا أنك تلحظ فيها المباشرة في التنفيذ والصدق في التعبير. أما الإحساس بالغائر والنافر فيتحقق من خلال استخدام البارقي للمستويات على أسطح عمله الجداري، عن طريق إضافة عدد من الحوائط المصطنعة والبروزات التي تؤكد على العناصر الجمالية والفنية لعمارة عسير التقليدية، بينما أكدت الفتحات الحقيقية/النوافذ حيوية هذه المباني، كما جعلت المتلقي يقف على حقيقة هذه النوافذ المضاءة التي يبلغ عددها 45 نافذة، استخدم فيها البارقي خامة الجبس إلى جانب الزجاج الملون.
وبالنظر إلى مجموعة جداريات التشكيلي عبد العزيز العواجي والمكونة من خمس جداريات مرسومة على خمسة حوائط استنادية متتابعة نجد أنها تتفق من حيث التقنية في الأداء، وتختلف من حيث الموضوع والاتجاه. وقد جاءت هذه الجداريات وفق مدارس متعددة تجمع بين: الواقعية والتعبيرية والتكعيبية إضافة إلى السريالية. صور فيها بيئة عسير بعمارتها التقليدية وطرزها المختلفة، وزخارفها الشعبية المتنوعة، وبيئتها الطبيعية الساحرة، بألوان شفافة حالمة ومساحات متناسقة.
وعلى مساحة تمتد حوالي 20م نقرأ لجدارية أبدعها التشكيلي نايل ملا، موقعة عام 2000م ، ومرسومة على أحد الحوائط البارزة في مركز الملك فهد الثقافي/قرية المفتاحة التشكيلية بأبها. وقد استغرق عملها أكثر من ثلاثة أيام، بمعدل 10 ساعات يومياً -كما يذكر ملا. واستخدم فيها ألوان الأكريلك بعد خلطها بمعاجين خاصة. ونلحظ في الجدارية المباشرة والتلقائية في التنفيذ دون تخطيط مسبق أو تحظير ذهني، وفي ذلك يقول المؤرخ عفيف البهنسي: «دخل نايل من باب اللاشعور إلى عالم رحب لا حدود له، وأراد مع ذلك أن يكون غائباً عن وعيه التشكيلي».
لقد اتبع نايل ملا طريقة البناء والهدم للوصول إلى النص البصري النهائي، مستحضراً مجموعة من الموتيفات الشعبية، وأشكالاً مستوحاة من البيئة السعودية وما تتمتع به من تراث أصيل، إضافة إلى استحضاره أشكالاً تشبه الأسماك تسبح في فضاء النص، كما نلحظ فيها الحس الشعبي العسيري الذي تأثر به خلال زياراته المتكررة للمنطقة.
وعندما نقرأ العمل الجداري الذي أبدعه الثلاثي التشكيلي: فايع الألمعي، وعبد العزيز مهدي، وعايض عباس عام 1428هـ؛ لا بد لنا أن نستحضر مقولة نوبلران الذي يؤكد على أن الفصل بين النحت الناتئ والرسم قد أخذ في التضاؤل منذ بداية الخمسينات، فالفنانون المعاصرون -كما يقول- ينحون في عملهم نحو مزج الرسم بالنحت معاً. وهذا ما فعله الثلاثي التشكيلي عندما اشتركوا في عمل جداري مكون من 12 قطعة تتوزع على حائطي أحد الأنفاق الرئيسة في أبها، واستغرق العمل فيه أكثر من سبعة أشهر، مستخدمين خامة الحديد/الشكل على السيراميك/الأرضية لإبداع عملاً جدارياً يصور البيئة والتراث الزخرفي الذي تتميز به المنطقة، إضافة إلى بعض الشخوص بلباسهم التقليدي، والخيل العربي الأصيل وفق إيقاع مموسق، واتجاه يجمع بين التعبيرية والتجريدية.
ومن الجداريات التي نُفذت في أبها مؤخراً، جدارية (وفاء) التي أزاح الستار عنها أمير منطقى عسير مؤخراً، وأشرفت على تنفيذها الإدارة العامة للتربية والتعليم للبنين بمنطقة عسير بالتعاون مع أمانة منطقة عسير بمناسبة عودة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام إلى أرض الوطن سالماً معافى، والجدارية تبلغ مساحتها 100 متر مربع، والجميل في هذه الجدارية أنه اشترك في تنفيذها 18 فناناً من فناني منطقة عسير ممن ينتمون للسلك التعليمي وهم: فائع الألمعي، عبد العزيز مهدي، معيض الهاجري، صلاح عرفج، علي ناصر، نواف خراش، على الأحمري، خالد مهنا، حسن خنفور، أحمد سارح، محمد العاصمي، ناصر معدي، محمد آل شايع، سعد البشري، سعيد عليان، سلطان العسكري، عبد الله الفيفي، وفواز القحطاني. وبرغم هذا الكم من الفنانين إلا أن العمل جاء مترابطاً ومحققاً لما يسمى الوحدة في العمل الفني التشكيلي، ويمثل في مجمله بانوراما تعكس مدى ما وصلت إليه المملكة من نهضة تنموية شاملة في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، كما أنها تصور الفرحة بعودة ولي العهد إلى أرض الوطن، ورمز إجلال وإكبار لجنودنا البواسل المرابطين على الحدود.



بواسطة : الإدارة
 1  0  1.4K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية