• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

تقاطع الصورة التشكيلية - للدكتور عبد الرحمن المحسني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
  - جد في كل عصر معطيات حضارية تلقي بظلالها على المنتج الأدبي الذي يستجيب بدوره لمظاهر التجديد. فمنذ العصر الجاهلي والنص الأدبي ينقل بصدق حركة الحياة من حوله، ويصورها في انبعاثاتها الشعرية المختلفة. ولو تعمقنا في تقري الصورة في كل عصر سنجد أنها تشكل مرآة صافية لما يدور في الحياة من حول النص، حتى إذا وصلنا إلى عصرنا الحديث رأينا بوضوح كيف استطاع النص المعاصر أن يستجيب لمعطيات تقنية ربما لم تسبق. وبالطبع فإن من الطبيعي أن نتوقع أن نجد نصًّا مختلفًا يقدّم صورة شعرية متميزة تقبس من وهج المحيط الذي نبتت حوله التجربة الشعرية، لنرى النص وقد تقاطع مع التقنية بصورة لافتة، وشكل معها محورًا لعمل شعري مختلف؛ إنْ في إنتاج النص الذي يبدأ من مؤثرات التقنية التي تستثير حركة الإبداع أولاً، وإنْ في بنيات النص الداخلية التي نجد منها تجاوبًا ظاهرًا مع التقنية المعاصرة في الاستخدامات اللغوية والصورية، التي تسهم في بناء صور شعرية تتكئ بصورة مباشرة على آليات وتقنيات الصور التشكيلية ، وحاولنا أن نثبت من خلال نماذج الشعراء صالح الزهراني، وغازي القصيبي، وعائشة جلال الدين أن الشاعر المعاصر أصبح على شبه يقين أن العمل الأدبي لا يمكن أن يعيش منفصلاً عن سياقاته الفنية فيعمد بصورة قصدية إلى اختيار صور تشكيلية تتجاوب مع تجربته الشعرية، وهي تتخذ عدة أبعاد تشكيلية أشرنا إلى بعضها، ونختم هنا بنموذج للشاعر إبراهيم صعابي، حيث يجعل الصورة مقابل نصّه الشعري لتشكّل بعدًا يكشف أبعاد الدلالة كما في نص: (ورقة من أحزان جنوبي)، التي يقول فيها: للآه فعل النصل في جنباتي ولها اشتعال النار في نبضاتي أنا ما أتيتك دمية مهجورة كي تهزئي بتحوّلي وثباتي أنا من عيون الضاد أقبس شمعتي وأداعب الأحلام في كلماتي (1) وهي تظهر بصورة متقابلة في العمل الشعري بهذا الشكل: شكل( 6) نموذج الصورة التشكيلية المقابلة للنص الشعري عند الشاعر إبراهيم صعابي ونلاحظ أن البوصلة تشير إلى الشمال أو الجنوب، وبقايا حطام قارب تائه، وطائر يحلق بعيدًا عن الغرق، ثالوث رمزي أراد من خلاله التشكيلي أن يعبر عن الحرية بعيدًا عن القيود، والاتجاهات المرسومة «البوصلة» التي قد تحيلنا إلى طريق مسدود، أو ربما واقع مفروض يهدم أكثر مما يبني. وأعتقد أن الطائر/ الحرية في النص البصري التشكيلي يتجاوب كثيرًا مع معطيات النص الشعري في صورة شعرية تشكيلية سريالية تصور الأحلام المموسقة بعيدًا عن الإيقاع الرتيب لواقع ممل يرفضه الإبداع. (2) والنص قد لا يتجاوب مع الصورة الرامزة تمامًا إلاّ إذا رأينا أن الرابط هو جو الحزن الذي يسود الصورة والنص حيث نرى الطائر الحزين بلونه الأسود يتحرك من وسط الركام في محاولة الانعتاق، لكنه يبقى أسيرًا لدائرة مغلقة. لقد رأينا في النماذج السابقة تطورًا ظاهرًا لمفهوم الصورة الشعرية يفيد من طاقات الفن التشكيلي، والتصوير الضوئي، ورأينا الشاعر ذا رؤية بعيدة في وعي التلاقي بين أبعاد الصورة المتعددة، فيوظفها تارة مع عناوينه الشعرية داخل الديوان الشعري، وتارة مع نصه مباشرة، وأخرى يجعلها تتوازى على غلاف الديوان في التعبير عن رؤية العمل وتوجهه. وكل ما سبق يؤكد صعوبة دراسة الصورة الشعرية المعاصرة بعيدًا عن المعطيات الحاملة للتجربة الإبداعية المعاصرة. ولعلي أختم الحديث عن تقاطع الصورة التشكيلية والعمل الشعري بالإشارة إلى أن الصور التشكيلية -التي أصبحت تشكل ظاهرة لافتة في المنتج الأدبي المعاصر- تلك الصور التشكيلية ليست لعبة ناشر كما يعتقدها البعض، بل هي صور تشكيلية قصدية يسهم المبدع في اختيارها ومقاربتها من عمله الإبداعي، وليس غيره يعد مسؤولاً عنها سواء كانت إيجابية تخدم النص أو كانت دون ذلك.(*) يتبع: الصورة التلفازية والعمل الشعري. --------------- الإحالات: (1) من شظايا الماء، منشورات نادي جازان، الطبعة الأولى، 2001 م، واللوحات الداخلية للفنان خليل حسن. (2) الرأي قراءة للناقد التشكيلي علي مرزوق. وانظر في تفصيل الاتجاه التشكيلي السريالي: ساره نيوماير، تعريب رمسيس يونان، قصة الفن الحديث، سلسلة الفكر المعاصر 2 ، لجنة التأليف والنشر 1984، ص 182-194 . (*) يؤكد الشعراء أمثال إبراهيم صعابي، وثريا العريض وفاروق بنجر في لقاء أدبي معهم هذه القصدية في اختيار الصور التشكيلية المصاحبة لأعمالهم الإبداعية
بواسطة : الإدارة
 0  0  602

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية