• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

يجــب ألا نفتعــل القبــح لنبــدو كأننــا نقــدم فنّــاً حديثــاً - حلمي التوني: ليس لدي لوحة فن شعبي أو قبطي أو فرعوني بل سبيكة من كل هذه الحضارات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 إخبارية الفنون التشكيلية- السفير- احمد بزون



أَوْلى الفنان المصري حلمي التوني (موالبد 1934) اهتماماً أساسياً، منذ بداياته الفنية، برسوم كتب الأطفال وتصميم الأغلفة والملصات، مؤجلاً تجربة اللوحة «لأن الجمهور لا يتفاعل معها»، ولم يقم معرضه الأول إلا العام 1985، ليقدم بعده سلسلة معارض ويكثف تجربته التشكيلية، مهتماً، في كل ما أنتج، بالبحث عن هوية فنية تراثية لأعماله، تكون عنواناً لموضوعاته، إذ يهتم برمزية الموضوع الذي يعمل عليه والرموز التي يوزعها في مساحة اللوحة أو يحمّلها شخوص لوحاته، وهو، في المناسبة، صاحب تصميم حمامة جريدة «السفير». مساحاته مسطحة، تستلهم التراث قبل أن يطعّمه بمهارات تقنية وحذاقات العصر، أو يمسرح الشخوص، بحيث ينقل التاريخ إلى الحاضر لا العكس، منحازاً في كل ذلك إلى التشخيص الأنثوي وجمالياته. وهو يختصر المسافة بين فرعنة المرأة في معرض «نفرتاري وأخواتها» والبساطة الشعبية لدى نسائه الفلاحات. يذهب بعيداً إلى علم الآثار أو التاريخ، في سبيل أن يُكسِب فنه هوية مصرية أو شرقية. لا يهتم بالعالمية واللحاق بركب التشكيل الغربي، ومع ذلك هو من أبرز المرشحين العرب لجائزة أستريد لندغرين السويدية، وهي أكبر جائزة عالمية لأدب الأطفال. فنان قدير، ماهر، مختلف، واثق من تجربته، مناضل في سبيل أهدافه، وواحد من الأسماء البارزة في التشكيل العربي.
حضر التوني إلى بيروت للمشاركة في الندوة التكريمية التي أقيمت للفنان المصري الراحل محيي الدين اللباد، ضمن أنشطة معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، فكان معه هذا الحوار.
÷ نبدأ بندوة اللباد، لنسألك عن البصمة التي تركها هذا الفنان الذي تربطك به صداقة وزمالة فنية. هل تكمن في كتب الأطفال أم الكاريكاتور أم الغرافيك؟
} هو اشتغل في حقول كثيرة. كنا نبحث عن منافذ توزيع الفن على أكبر عدد ممكن من الناس. بعدها قررنا أن اللوحة ليست خير مرسال أو رسول للوصول إلى الناس. هو طرق الكثير من الأبواب، لكنني أعتقد أن بصمته الحقيقية وتركته الكبرى هي في الكتب التي رسمها وكتبها، لأنها لم تكن تخاطب الصغار فقط، ولا الكبار فقط، إنما كانت تخاطب المواطن، الذي لديه أمية بصرية. نحن عندنا أمية بصرية. لو تنظر إلى المحطات التلفزيونية، وإلى المسلسلات والأفلام، سوف تجد الكثير من القبح الضمني، لكنه مؤثر تأثيراً مباشراً. الأمية البصرية التي تصل في بعض الأحيان إلى الإعجاب بالقبح، بعكس ما تراه أنت كمثقف. كُتُبه كانت تحاول أن تحل هذه المشكلة.
÷ تؤمن بجمالية القبح؟
} لا. القبح أشكال وألوان. مثلما تَحاوَرَ الناس واختلفوا حول الجمال، هم اختلفوا أيضاً حول القبح. الجمال ليس مطلقاً هو نسبي، يخضع للذوق السائد. إذا كانت النساء نموذجاً للكمال، فإن البعض يفضلون المرأة البيضاء السمينة في بلاد أو عصور، وآخرين يفضلون السمراء وإن كانوا أقل. هناك ذوق سائد. هل السمينة أكمل فعلاً أم أنهم اتفقوا على ذلك لأسباب حسية واجتماعية...
÷ هي مصطلحات جمالية إذاً؟.
} نعم مصطلحات. أنا أقول هناك ذوق حسن، لا بد أن يحكم العمل، وهذا ليس قيمة بورجوازية، أي ليس الأكثر أناقة هو الأجمل. لا. اللباس اليومي قد نجده أجمل. تجد امرأة متأنقة جداً وليست جميلة،. ترى امرأة تمشي بطريقة ما وهي جميلة فتفسد جمالها. أنا تعرفت في فترة في الفترات إلى القائم بالأعمال الهندية في القاهرة، فكانت تجربة عظيمة، لأنني كنب أرى الجمال في كل لفتة وحركة فيها. جمال، كأنك تشاهد باليه على المسرح. هذا هو الجمال، وهذا عكس القبح. إذا عدنا إلى الفن، نجد أن هناك فن الفقر والدادائية مثلاً. كل ذلك نعرفه، إنما في النهاية يبقى الذوق هو الذي يحكم. الفن فيه قدر من الذوق، هو نوع من الهارموني. اليوم في مصر يقام معرض للفن المعاصر، رأيت أعمالاً لفنانات ألمانيات فيها أشكال لسيدات أرجلهن مبتورة، ولأخريات عيونهن مفقوءة، ورأيت أيادي تشد جدائل من شعرها في اتجاهات مختلفة. هل هذا هو القبح في الفن؟
جماليات القبح؟
÷ إذا أخذنا مثلاً على الشعر، هناك شاعر عربي قديم وصف شعره القبيح الممتلئ بالقمل والحشرات بأبيات شعرية جميلة، وكذلك هي جماليات التعبيرية التي تعتمد على تشويه الشكل. من هنا أريد الذهاب إلى ما ترسمه أنت، كونك تركز على الجمالية الخارجية والزخرفة. هل أنت ضد التشويه المعبّر المعنى؟
} كانت هناك أسباب للتعبيرية الألمانية، كانت تعبيراً صادقاً عن مأساة سياسية إنسانية. إذاً هناك مبرر أن تتحدث عن القبح وتقدمه بطريقة منفّرة كي يكرهه الناس. لكننا إذا كنا في مجتمع وزمان مختلفين، يجب ألا نفتعل القبح، لنبدو كأننا نقدم فناً حديثاً صادماً مفاجئاً. يجب أن تكون هناك علاقة وثيقة بين ما يدور في ذهن الفنان وبين ما يظهر في لوحاته.
÷ هل نستطيع هنا القول إن لوحتك، التي تهتم بالجمالية الخارجية، تخاطب جمهوراً يختلف عن الجمهور الذي تخاطبه لوحة أخرى أي جمهور النخبة؟
} هذا سؤال مهم جداً. وهو يدور بيني وبين نفسي، إنما أنا لا أفتعل شيئاً. الكثير من الفنانين يترددون في العرض لأنهم يفكرون كثيراً في أعمال جديدة. هناك صديق فنان معروف أسأله لماذا لا يعرض، يقول أريد تقديم شيء جديد. فأقول له أرسم ما تريد قد يكون جديداً. إذا كنتُ أرسم أشياء جميلة فهذا خياري. لن أكذب. أنا أستطيع أن أشوه وأحطم، لكنني لا أنزلق إلى فكرة التقليد، أو أسير حسب الموضة. «تيد غاليري» في لندن تقدم كل سنة معرضاً عن فن البورتريه، إذا رأيت الأعمال التي تقدم ترَ أنها منافية لما يسمى بالفن الحديث، الذي هو فن التشويه والتدمير والتركيب والتفكيك. تقدم شيئاً آخر تماماً. أنا أرسم فني وقناعتي.
التبسيط
÷ التبسيط الموجود في لوحتك هل هو متأثر بمسيرتك التي انطلقت مع فن رسوم كتب الأطفال؟
} من دون شك، هناك لمسة طفولة، لكنني تحدثت، في الندوة، عن اللباد والمجموعة، وعن أننا في البداية اتخذنا قراراً بخدمة الأمة، بأن نوصل لهم أعمالاً مبسطة، لكن مع المحافظة على الجمال، مثل أن تكون هناك مدرسة ابتدائية للجمال. معظم هؤلاء لم يقدروا على عمل لوحة، أو لم يختاروا ذلك. هناك من حاول. بهجت عثمان، كان نحاتاً، اهتم بالفن المطبوع، لقناعة بأنه يريد الوصول إلى أكبر نسبة من الناس، ليفيدهم لا ليشتهر. بهجت كان رسام كاريكاتور، ثم انتقل إلى عالم الطفل، بعد تجربة «الفتى العربي». لم يكن رسم كتب الأطفال موجوداً. لاحظت أنه مرة أتى بالطين وحاول أن يعمل منحوتة، لكنه لم يقدر، لأن الالتزام بالبساطة الشديدة أثّر في موهبته ولمسته.
لهذا غبت عن الفن التشكيلي، أعني اللوحة، منذ اشتغلت في الصحافة آخر الخمسينيات إلى أن رجعت من بيروت في فترة الحرب. عدت إلى اللوحة في عمر الأربعين سنة. وجدت خطورة أن هذه العقود من الزمن سوف تنعكس على اللوحة، بقيت أحسب خطر الغلاف على اللوحة، ثم بعد تفكير قررت أن أحاول عندما أصنع غلافاً أن أصنعه على أنه لوحة. لا ألتزم بنص، إنما أحوم حول النص كما يحوم الفنان حول الفكرة من دون أن يوضحها، أو كما يحوم الشاعر لا الناثر. هذه الفكرة ما زالت مؤثرة فيّ، لكن أحاول التخلص منها، وما لم أتخلص منه هو موقفي السياسي. حتى الآن أنا أعتمد موضوعاً واحداً وأسلوباً واحداً للوحات المعرض. عملت معرض «تحية إلى الفن القبطي»، كان هذا موقفاً سياسياً اجتماعية، فمصر كانت لسبعمئة أو ثمانمئة سنة قبطية، وأنتجت مدرسة فنية بينها بورتريات الفيّوم الشهيرة.
÷ قلت في الندوة إنكم ذهبتم إلى كتب الأطفال لأن المواطن المصري لم يكن يقبل اللوحة، هل توصل المواطن إلى قبول اللوحة؟ أعني هل استطعتم تربية جيل يقبل اللوحة حتى عدت أنت شخصياً إليها؟
} لا. فشلْتُ.
÷ إذاً، لماذا تراجعتَ عن قناعتك الأولى ورحت في اتجاه اللوحة؟
} اعتبرت ذلك رفاهية. هي رغبة مكبوتة. أنا لم أنس آلام سهري والظهر والرقبة، لكن شعرت فيها بمتعة التحدي والامتحان المستمر؟
÷ يعني لم تعد تفكر في المتلقي؟
} لا إطلاقاً. هناك شبهات في ذلك. لأن شغلي جميل ومنتشر. أنا لا أفكر في المتلقي أبداً. بالصدفة البحتة توجد علاقة بيني وبين المتلقي. كأني أحس بيني وبين نفسي نبض المواطن المصري. لذلك تجد أعمالي مقبولة و(بين قوسين) محبوبة من كل الطبقات.
÷ نفهم أن التناقض بينك وبين المتلقي وَهْمٌ، خصوصاً أنك عندما اخترت الفن الشعبي اخترت جمهورك؟.
} لا. الناس لا يُقبلون على المعارض حتى لو كان مفهوماً، لكن من يقصد معرضي يسرّه ما يرى. في الغرب يشترون بطاقات قبل شهر ليروا معرضاً. هذا الأمر عندنا غير موجود. انقطع الاتصال بيننا وبين الجمهور. لكن الصدفة أنني أهوى أن يكون شغلي خطوطياً، هي مدرسة وأسلوب، أنا طوال حياتي ومنذ يفاعتي أستخدم هذا الخط، وهو ملمح أساسي من الفن الشعبي والشرقي، قائم على التوازن بين الأشكال المحددة للخطوط. أنا للأسف اشتغلت في الثقافة، واهتممت بالوطنية، والأمران أثّرا في حياتي. عندما رجعت من بيروت، وقرّرت أن أعمل معرضاً، كان الناس في القاهرة نسوني بعد غياب 13 سنة. في أول معرض لي كانت اللوحات ضبابية ورومنسية ليس فيها خطوط أبداً، ثم أتاني هاجس الهوية، الذي يُعتبر من «الجرائم». كان المعرض ناجحاً وباهراً، حضوراً واقتناء. تساءلتُ: نجح المعرض لكنني لم أكن نفسي رغم النجاح. عندها بدأت أسأل: أنا مَنْ؟ ألم يكن بيكاسو يونانياً أيضاً؟ هل أنا عربي مسلم أم يوناني أم روماني أم فرعوني أم قبطي؟ بالمعنى الثقافي لا الديني، والثقافة بمعناها الأوسع أي المكتسبات والعادات والمزاج. اكتشفت أنني لست واحداً من هؤلاء كلهم. فلست مسلماً حقيقياً أو فرعونياً حقيقياً... إلخ. اكتشفت ساعتها الفن الشعبي، اكتشفت الوشم، الرسم على الزجاج. رأيت أن الفنان الشعبي يختار ما يحب. تساءلت: كيف انتقى فنه من كل هذه الحضارات الكبيرة التي مرت على مصر. شاهدت مجموعة من لوحات الفن الشعبي، اكتشفت فيها ذلك الأسلوب المتبلور المتوارث الذي يحتوي على كل شيء، وكل فترة يأتي من يضيف شيئاً. وجدت فيه الفن المصري القديم، اليوناني، القبطي، لكن ليس فيه فن فرعوني كثير، طبعاً لأسباب أيديولوجية، فالإسلام ألغى مرحلة الأوثان. اكتشفت أن ذلك معلمي الحقيقي وأنه مصدر إلهامي، بدلاً من الطبيعة والموديل، الفنان الشعبي مصدر إلهامي، هو مثل الطفل يختار ما يحب وما يروق له، لا ما يجب أن يختار. فهو انتقى بذوراً من كل حضارة، واختار ما أعجبه من كل الفنون، خصوصاً فن الوشم، لأنه كان فناً متواصلاً إلى حد بعيد. اعتبرت أنه مدرستي، وبالصدفة وجدت أنه فن خطي يعتمد على المساحات المسطحة. اشتغلت كأني أقيم بحثاً أكاديمياً من خلال المعارض ومن خلال التأمل، لا من خلال الكتابة والأفكار. كان أول معرض أقمته نقلاً عن هذه الأعمال الشعبية العام 1986، لكن بمقاسات أكبر وببعض التصرف والإضافات، واستمرت عملية ما يسمى بالمسافة بيننا وبين الشجرة التي نرسمها في اللوحة، كلما زادت المسافة تحقق الإبداع. استمرت عملية المسافة بيني وبين الفن الشعبي كما بيني وبين فنانين آخرين. استمر التباعد الطبيعي ودخول الشخصية الذاتية للفنان إلى أن وصلت إلى مرحلة يكاد يختلف فيها الفن الشعبي، لكنه باق بشكل ما. كما أزعم أن واحداً مثل بيكاسو، إذا نظرت في كثير من أعماله ترَ الحضارة اليونانية، فالنساء اللواتي رسمها على البحر كأنهن تماثيل يونانية.
استلهام التراث
÷ أنت تقول إنك عندما ترسم كتب الأطفال يكون الآخر موجوداً أولاً، ثم تأتي الذات، أو يكون الموضوع مفروضاً عليك. عندما تستلهم التراث الشعبي، ألا تشعر أن الآخر أو الموضوع أيضاً مفروض عليك؟
} لا. أنا عندي تجارب في استلهام التراث. الأولى في الفن الشعبي المتجلي في الوشم. الثانية عندما عملت تحية إلى الفن القبطي، وهذه كانت رسالة سياسية. فيها كنت أستمتع بالرؤى والموضوع. أنا أستمتع بالفن الشعبي، مثلما استمتع بيكاسو بالفن الأفريقي. عندما عملت معرضاً فرعونياً من معرضين أو ثلاثة...
÷ تقصد معرض «نفرتاري وأخواتها»، نفرتاري جميلة الجميلات الفرعونية.
} نعم. عندما أقدمت على الفن الفرعوني نصحني الأصدقاء ألا أقاربه. إذا أنت اشتغلت على الفن اليوناني القديم فهو محاكاة كاملة للطبيعة وقلق وشغف، الفن الفرعوني خلق لغة بصرية وتحويرات، وأصبحت له أجرومية بصرية، كيف نرسم البروفيل والأشكال والفاكهة والحيوانات والكتف واليدين... هي مدرسة كاملة لا أستطيع التعاطي معها بالتحويل والتبديل. عملت معرضاً أهم ما فيه اكتشاف جماليات هذا الفن، اللون الأسود، والفخاري للبشرة، والأبيض للكتان، والخط الرشيق المحيط بالأشكال الذي يكون عادة أحمر. حلّلت اللوحة الفرعونية ورأيت رشاقتها. لا تجسيم إطلاقاً. استفدت من ذلك، وهذا التقى مع ما كنت أحب وأنا طفل، ومع الفن الشعبي الذي يعتمد البعدين. مع ذلك أدخلت البعد الثالث كعنصر تشكيلي، لا كعنصر إيهامي. اعتمدته كرغبة ونوع من الشهوة أو الاجتهاد.
÷ حتى عملك على الضوء كان يساهم في استدراج البعد الثالث؟.
} أنا أحب ذلك. هناك إيهام بغير منظور عصر النهضة، أو المنظور الفارسي، أو المنظور الأيرومتري. كل ذلك كان فيها هاجس الهوية الذي تحدثنا عنه، لكن لا الهوية اللاتينية أو العرقية أو الجغرافية، أنا أبحث عن الهوية الجمالية الخاصة بنا.
÷ لكنك تتحدث عن هويات مختلفة، الفرعونية والقبطية والعربية والإسلامية... تتنقل بينها. يمكن أنك تتمتع بعمل تجريبي من هذا النوع. أريد أن أسألك، ببساطة، ما مشروعك الفعلي؟
} مشروعي تقديم اللوحة المعاصرة المتقدمة، من دون افتعال. وأتمنى أن يفهم الناس اللوحة ويتعلموا كيف يقرأونها قراءة بصرية، أن يتعلموا مصلحتهم وفائدتهم من الفن. يسألونني ماذا تقصد في لوحتك؟ ليست هنا المسألة، يهمّني أن يقرأ الناس اللوحة مثلما يسمعون الموسيقى. كيف يتوصلون إلى الإحساس بالجماليات البصرية. هذا المهم.
ردم المسافة
÷ حتى في اللغة البصرية. أنت تريد أن تردم المسافة البصرية بين التراث أو التاريخ العميق للفن واللغة البصرية للعصر الجديد.
} أنا لا أردم. أنا أقيم جسوراً. لا ألغي. هناك نوافذ وجسور لتزور التاريخ وتعود. ليس لدي لوحة فن شعبي أو فن قبطي أو مصري قديم. هناك سبيكة طبيعية من كل هذه الحضارات، مثل الحضارة الغربية. لا ننسى استعراضات بول كليه وماتيس المغاربية وسواها.
÷ لكن لم تكن هناك عقدة لدى بول كليه أو بيكاسو أو فان غوغ ولا سواهم في أن يأخذوا من تراث سواهم. لماذا عقدة التراث محتدمة لديك؟
} لأن فيه ما يكفي، وأيضاً للهوى الشخصي مكان. أنا أحترم رغبتك الشخصية في أنك تأكل ما تريد. تأكل متبل ولا تأكل تبولة مثلاً.
÷ لكن ألا تخاف الاستغراق في الماضي فتتحول إلى منقّب وتقيم حفريات في التاريخ والأركيولوجيا. ألا تشعر أن هذا الاستغراق على حساب فنية اللوحة؟
} هذه المرحلة الأكريلوجية انتهت. آخر معرض لي كان من حوالى شهر، عنوانه «على الشاطئ». كان حسي الاجتماعي السياسي حاضراً. كتبت كلمة كما في كل معرض، مانيفستو صغيراً، قلت إذا ذهبنا إلى الشاطئ المصري القديم نرى واحدة لابسة مايوه، كنا نمرح ونلهو من دون أن نظن بها شيئاً. اليوم تجد واحدة منتقبة ومحجبة، وتجد واحدة لابسة مايوه قطعة واحدة وأخرى بكيني. هذا المشهد الاجتماعي المضطرب أثار فيّ شيئاً، فرسمت سيدات رشيقات كلّهن لابسات ملابس ضيقة على الآخر، وحتى فكّكت الملابس وجعلتها ميكانيكية، ولوّنت كل جزء من الجسم بشكل مختلف، حتى الساق كان بلون والفخذ بلون آخر. إذا خرجتَ من الأعضاء ودققت النظر ترى تأثير الحضارات القديمة أو المدارس القديمة أو الحفريات. كل ما عملته فن.
÷ لكن هذا التاريخ ألا يشكل سلطة على لوحتك؟ ألا يستهلكك على حساب التفكير في مستقبل الفن؟
} أبداً. أنا أحس بالثراء. تأملت الحضارات وعرفت جمالياتها، فكل منها له جمالياته.
÷ إذا أخذت مثلاً بسيطاً عن حمامة «السفير»، فنحن في عصر تكنولوجيا عالية وثورة اتصالات، هل يكفي رمز الحمام الزاجل؟ لو أردت أن تعود لتعمل شعاراً جديداً لـ«السفير» أو لصحيفة أخرى هل تعمل حمامة أيضاً؟
} نعم أعمل حمامة. مثلاً الشمعة لها قيمة رمزية، الإنارة، أو البحث عن الحقيقة، وهكذا الحمامة. أنا أرسم مصباحاً كهربائياً عادياً، في قسم من اللوحة، حتى في مشاهد البحر. ترى مصباحاً نازلاً من السحب أو السماء في عزّ النهار. طبعاً هو ليس مصباح بيكاسو في الغيرنيكا، مصباحي أحياناً له أجنحة.
÷ حتى أنك تستخدم الطربوش، تضعه على رأس بنت على البحر، وهو رمز باشوي عثماني. ما علاقته بموضوع البحر؟
} نعم أحب الطربوش، هو قيمة جمالية.
÷ كيف تتعامل مع الرموز؟
} هي تلقائية. بين التقنية والتلقائية. أرسم سيدة غاطسة في الماء في جزئها التحتاني، لابسة عقد ذهب، فيه أسماك متدلية، اجتماع عناصر مختلفة فيها حنين إلى الماضي، يجتمع مع الغنج. أنا أرسم سيدات عصريات يتمتعن بالدلال.
÷ لكنك تجمع بين الدلال والحزن عند المرأة. ثمّ لماذا المرأة فقط. أين الرجل من لوحتك؟
} أخطأت مرة أو اثنتين ورسمت رجلاً، وندمت (يضحك). رسمته بسخرية. رسمت في معرضي الأخير رجلاً يركب حصاناً على البحر ويلبس تاجاً. صورته قاتمة جداً، ووراءه سيدة بيضاء عارية. قبل ذلك رسمته بسخرية أكثر.
÷ أنت تستبعد الرجل بشكل عدواني؟.
} نعم، وإذا أظهرته كان حاكماً أو زوجاً مستبداً. الرجل في الأسرة يتناغم مع الرجل في النظام الحاكم. الرجل يقهر الوطن ويقهر المرأة.
÷ إذا كان وجه المرأة حجة للتعبير عن أمر ما، فوجه الرجل هو كذلك أيضاً؟.
} رأيي في الرجل هكذا. ربما أبسّط الأمور. الرجل حتى الآن مستبد.
÷ أنت فنان ملتزم، الرجل يمكن أن يفيدك أكثر في التعبير عن ذلك؟.
} المعرض المقبل الذي ابتدأت التحصير له...
÷ ما عنوانه؟
} «المهرج». يقولون لي هل هناك فنان يعمل هذا الموضوع؟ هل أنت مجنون؟ نعم أعمل هذا. بدأت ولديّ اسكتشات وأفكار. كل المعرض مهرجون. هذا له دلالة.
÷ في أي حال أنت تهرب من المباشرة، حتى في ملصقات المرحلة اللبنانية، التي أنجزتها وسط صخب الحرب اللبنانية. ما دمت في لبنان الآن، كيف تتطلع إلى المرحلة اللبنانية، خصوصاً أننا رأينا لك العام الماضي معرض ملصقات في الجامعة الأميركية؟
} كنت آتياً إلى لبنان مطروداً من أنور السادات، وكان ذلك بادياً على وجهي وروحي وموقفي السياسي، إذ كنت محسوباً على عبد الناصر. كان ممنوعاً عليّ أن أعمل معرضاً أو أشتغل. طوال عمري كنت منتمياً إلى القضية الفلسطينية. كنت متبنياً لها كونها قضية حق. وجدت في لبنان متنفساً. كانت المنطقة تغلي. أتذكر في السبعينيات، في حرب تشرين العام 1973 كنت في لبنان. كنت أقابل ناساً راجعين من الحدود وقد نفذوا عمليات. تلك مثل حالة ثورة يوليو، كانت الأحلام كبيرة ثم دفنت. في السبعينيات تبدد الحلم الناصري بمعناه العدل والحرية. الحرية لم تكن موجودة، لكن العدل كان موجوداً. أما الآن فتوجد حرية كثيرة لكن لا يوجد عدل.
÷ هل رسمك للمرأة الجميلة والمدللة هو هروب أو تعبير عن انكسار الحلم في داخلك؟
} لا، هي مقاومة داخلية، مقاومة الانتحار، الإحباط، اليأس والدخول في حالة نفسية مرضية.
÷ هل تبحث عن حلم جديد؟
} طبعاً. الحرية. لما طلبوا مني أن أشتغل في كاريكاتور الأهرام، قبلت لأركز على العدل والحرية. نحن ليس عندنا عدل نهائياً في البلد، حتى القضاة غير عادلين. لا عدل اجتماعي ولا قضائي ولا إنساني موجود.
÷ هل أنت راض عن تقييم الوسط الفني لما تقدم؟
} أنا راض، لا بالعكس أنا محسود جداً من الفنانين، ويعبرون عن هذا الحسد بطرق مختلفة، يقولون فنه شعبي ويلبي طلب الجمهور. كانت في أقوالهم رائحة أسئلتك. أنا أسمع ما يقال، لكني أعتقد أني بريء وأعمل ما أراه صادقاً وصواباً، وأحاول دائماً أن أتقدم وأقدم فناً أكثر نفعاً، وفي الوقت نفسه لديّ جمهور يحب فني. صحيح أن جمهوري يطلب مني العودة إلى الوراء بحكم العادة والنوستالجيا، (عبد الوهاب وأم كلثوم)، إنما أنا أقاوم هذا وأفاجئهم، وأصرّ على عمل ما لا يرضون عنه، لكن ما أقدمه محترم وطبيعي ويلتقي مع إحساسي.
÷ أنت انحزت إلى اللوحة. ما شعورك عندما تكون مرشحاً لأكبر جائزة عالمية لأدب الأطفال، كما حصل منذ أعوام؟
} سعيد جداً.
÷ الجائزة بشكل من الأشكال تقدير مهم لتجربتك في كتب الأطفال. لكن أليس في ذلك ترجيحاً عالمياً لكفة فن كتب الأطفال على اللوحة؟
} أنت تثير فكرة العالمية والاعتراف.
÷ الاعتراف بفنّك في الخارج واضح ومستقر بشكل حاسم كرسام كتب أطفال. هذا يسعدك ويسعدنا، لكن كيف تحضرك أهمية اللوحة في تجربتك خارج مصر؟
} أنا أدعى إلى المشاركة في معارض دولية كثيرة، لكني أمتنع عن معظم المشاركات. لست في حاجة إلى ذلك. أنا مرتاح وراض. طبعاً يسعدني ويفرحني أن أحصل على جائزة دولية، أنا أعمل شغلي. ولا تهمني الجائزة إطلاقاً. لا أسعى إليها ولا تشغل بالي. أنا كنت أقدم كتاباً عن الموسيقى الشرقية، كتبت عن التخت الشرقي وقوالب الموسيقى الشرقية والغناء الشرقي والآلات الخمس للتخت الشرقي، ورسمت وكتبت للأطفال والكبار، وتقدم الكتاب للمسابقة في أبو ظبي، لكن فاز في المسابقة واحد مصري عن كتاب اسمه «النقطة السوداء». أنا كنت مجنون وطنية وثقافة، لكن كنت أتمنى أن الناس يتعلمون من خلال كتاب، ويعرف الكبير والصغير أن هناك موسيقى شرقية غير موسيقى البوب والموسيقى السيمفونية. لم أنل جائزة، مع أني كنت متأكداً من نيلها. لم أزعل، مع أنها جائزة كبيرة جداً، حوالى مليون درهم.
لا يهمني أن أكون معروفاً في قبرص مثلاً. لا يهمني أبداً أنا مرتاح جداً.
÷ هل هذا زهد. التواصل مع العالم أيضاً ضرورة؟.
} غوغان وكاندنسكي وموندريان وبيكاسو ومودلياني أصبحوا فنانين في باريس، لكن ذهبت مجموعة من الفنانين المصريين إلى باريس، ثم عادت كما ذهبت. إذاً العالمية لا تحمي. أذكر أني فتحت هذا الموضوع من أسبوع، فقال لي فنان أجنبي العالمية حاضرة عندكم من زمان.
بواسطة : الإدارة
 0  0  617

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية