• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

قراءة نقدية :في أعمال الفنان السعودي- فهد خليف(وجه وطائر) ليلى جوهر-تشكيلية وكاتبة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
  إخبارية الفنون التشكيلية-تداعيات فهد خليف التصويرية\".. جعل من الطائر ثنائي مع ذاته يجادله ويتغنى به ويسرد له حكاياته.. \"
يشكل الإنسان جميلا ,يظهره مستكينا وديعا, ويصوره مزهرية و سمكة وتفاحة وأوراق شجر مجهولة الانتماء.. وحينما يجمله يحيله إلى إطار لوني يحيط بإعماله, بدأ بالواقعية وانتهى به المطاف عند التعبيرية ودلالاتها تصويرا .
ما يجعلني أترقب وجوه فهد خليف تعبيرا مختلط الهواجس يخالج شعوري, ثمة ما يستدعيني لكي أصافح تلك الأيادي في محاولة للكشف عن مغزاها, لكنها منشغلة بالتوجس, تقترب لتتلامس ومن ثم ترتخي بينما يدٍ ترفض الارتخاء , مبسوطة أكفها لتصافح وأيادي منشغلة بالزينة تتحلى بالحلي الرائعة صنعتها ريشة الفنان وجسدت من خلالها جماليات لموروثات بيئته المحلية, وحضارة الإنسان العريق وبدائيته خليط من حاضر وماضي فقط هو ذاته الإنسان في كل العصور يتزين ويتجمل فهو خُلق جميلا والله جميلا يحب الجمال !
وجوه في الزحام تتقاسم الملامح والتعبير ورؤوس مثقلة على هامتها سلال تظهر محتواها بقليل من التفاح والبرتقال والأجاص, وأتساءل دوما لماذا سلاله لا تحمل غير الفاكهة؟! يحط الطائر حيثما يحلو له على شخوصه ونراه تارة يحط على أذرع وأيدٍ , فقط التلوين يأخذ مكانه ويحدد مسارات التكوينات بالأعمال من خلال ترتيبات الفنان..رابطاَ عناصره بحقائق مباشرة , يحيلها لرموز ودلالات رابط عناصره بحقائق مباشرة . تناول في معرضه السابق تصوير تعبيري مجردا.. الكرسي والخيل والمرأة إلى جانب تجريده للوجه, وبعض الرموز الخطية والسمكة ووريقات الشجر, ولا يمكن أن يخلوا من تصويره للكعبة المشرفة لبعض أعماله.. ما يؤكد على روحانيته وارتباطه المباشر كونه ينتمي لعقيدته كمسلم.. فالكعبة المشرفة حاضرة بأجمل وأقدس مكانة بارزاَ من خلال تصويرها معاني الانتماء الفطري للمعبود بخالقه عز وجل .
نضجت تجربة فهد خليف في معرضه (وجه وطائر) نضوجا كان متوقعا, فكونه مثابرا وحريص على أن يتناول تجاربه الفنية من خلال انشغاله بالفن تصوير (اكريليك) على خامة القماش.. وبألوان ترابية و برتقالية وزرقاء وصفراء وسوداء للخطوط,وبعرضه الدائم ضمن المجموعات أو معرض شخصي بسنواته المتتالية.. ما يؤكد لنا ذروة نشاطه المتوافقة مع بحثه وتجريبه المستمر, واطلاعه للتجديد, فهو لا يغفل عن اكتسابه مهارات الآخرين من زملاء الفن كما أن له رسامين موهوبين من الشباب يتبعون أسلوبه رسما .
يؤكد \"كروتشه\" على الدافع الذاتي للنشاط الفني ومن رأيه \"أن كل من يتذوق الفن إنما يدير بصره نحو تلك الجهة التي يدله عليها الفنان, ولكي ينظر من النافذة ألتي أعدها له الفنان والمشاهد عبر تلك الأعمال الفنية التي عبر فيها عن نفسه ))..فارزا الفنان للصورة الفنية إلى حيز الوجود,إن تلك الصور والتي أشعرته بالغبطة حين نجح في إنجازها ,هي تلك الصورة نفسها ألتي اغتبط لرؤيتها الآخرين . وكأن غبطة الإبداع قد استحالت إلى غبطة تذوق ,والحق أننا إذا كنا نفهم عمل الفنان ونتذوقه, فذلك لأن ثمة وحدة أصيلة في المشاعر تجمع بين البشر جميعا .فمن رأيه أن المتأمل للعمل الفني يستطيع أن يستعيد في ذهنه الخيالات التي طافت بذهن الفنان. (والخلاصة أن \"كروتشة\" ينفي وجود الجميل وجودا حقيقيا ), فالموضوع الجمالي عنده ليس إلا مجرد موضوع سيكلوجي..يتوقف على نشاط وفاعلية الذات إزاء الأشياء ووعينا الجمالي, أما سلوك المتذوق فيوصف بالطريقة نفسها التي يوصف يها سلوكه الإدراكي أو الخلقي. وبالرجوع إلى رأي الفيلسوف\" باش\" نقف عند اعتقاده إذ رأى ( أن الإدراك الجمالي أو التأمل هو الموضوع الرئيسي لعلم الجمال كله , ففي رأيه أن المهم في التجربة الفنية الجمالية إنما هو \"الذات\" وليس\" الموضوع \" حيث إن الفعل الجمالي عنده والذي ينعكس أثناء استجابة المتذوق للموضوع الجمالي يستلزم توقف الذات من اجل الاستغراق في التأمل ,ولكون الفنان منح تجربته الفنية الحياة ,فقد أكسبها جاذبية على نحو يجبر العين على التوقف من اجل المتعة في الرؤية ,أو يجبر الآذان على الاستماع ,والاستغراق يعني الاهتمام في التأمل (الأستيطيقي) نحو إدراك الموضوع ..ومما يجعل عملا يصور موضوعا عاديا مثل كرسي (لفان جوخ)موضوعا للانتباه والتأمل.. هو ما يجذب المتذوق إلى الاستغراق في الموضوع حين يعجب به لذاته .
وقد ذكر الدكتورمحسن عطية في مؤلفه (غاية الفن ) دراسة فلسفية ونقدية ,تتميز لحظات الاستمتاع في تجربة المتذوق في ربط اللحظة بين الحاضر والماضي والمستقبل ,فيستبعد الاستغراق في التأمل كل شيء ماعدا الموضوع الجمالي من مجال الإدراك ولكونه يتمتع بتكوين ظاهري لكي نستمتع به لابد أن نركز النظر نحو شكله ومظهره على أنه \"ظاهرة \" وليس حقيقة واقعية,وحينئذا سيصبح أي موضوع في عمل فني ليس مجرد إشارة لرغبة عملية (أي الجلوس عليه كمقعد) إنما يصبح جزء ونقطة في تكوين ,وشكلا له مغزى تصويري ,فيتحول إلى شيء يستحق النظر إليه كموضوع تصويري ,وليس حدثا فقط أو أداة أو إشارة لحالة انفعالية ,أو نزوة وربما لحظة مفعمة بالحيوية وممتلئة بالنظام بهية والنظر إليها متعة .ثمة عبارة (لموندريان) يقول فيها :إن نقاء التشكيل .. لايتفق مع الأحاسيس الموضوعية ولا مع الإدراك ,فالتشكيل الخالص هو التأليف بين عناصر البناء , وتنظيمها كهدف للفن ولتحديد قيمته.ويعني به(التنظيم الشكلي) الذي يقوم على تجريد ضروب الانسجام , وكان فاسلي كانديسكي (1466-1499)يتطلع إلى جمال منعزل عن الطبيعة( الزمانكية ) للأشياء ففي رأيه إن الفنان بإمكانه أن يتوصل إلى تحقيق ذلك عندما يتجاوز إحساسات الفرح والألم والرعب, لذلك تتبع أعمال كانديسكي المذهب التجريدي التعبيري للوحة .
وبرجوعي إلى أعمال الفنان فهد خليف لمعرضه (وجه وطائر)تؤكد لي أعماله المعروضة بصالة\" أتيلية\" جدة للفنون الجميلة مفهوم الطابع الجمالي , حيث أضفى برؤيته الفنية لمواضيعه ترجمة بصرية عالية الإحساس ,مدركا ما يجعل من أعماله مميزة بالغرابة تجريد للأشكال في لوحاته ,الطائر, الوجه, السمكة ,المزهرية بعض أعضاء الجسد, الأذرع, الكف, الأصابع, الوجه,مما ساعدني كمتذوقة استعادة الصور والأشكال تلك إلى قوى حية تشع منها الحياة . إن تجربتة الجمالية ماهي إلا خليط من المعرفة فنيا وبتصوف تم فيها الامتزاج بين الذات والموضوع, مع جزمي أن كل من شاهد المعرض لخليف لابد أن يشعر بالتأمل للوحات تمتعها بقوة الخط والإيقاع , مما يجعلنا نألف ونحس بالحركة أثناء ذلك,فنستغرق ذاتيا جماليا, بكل مدركنا من خلال الصور كما في لوحته المتصدرة للمعرض الجدارية كشاهد مشبعة بالفرح والأحاسيس حيث نلمس القيمة بدلالات زخرفية مرجعيتها الجمالية بروز جماله الخطي مجردا التراث في هندسية التشكيل للبناء المتوازن . وهي تحصرها الوجوه والمنحشرة بجانب بعضها بعض ومن ملائمة تلك التكوينات المنقوشة والمشتغلة بالأيدي والمزهريات من سياقه الحضاري لبيئته المثلثات والخطوط المتوازية المستقيمة تقاطعها رموز للنقش على الحوائط أو بعض الملبوسات العريقة, تعاطاها الإنسان البدائي في حضارته كلغة تعبيرية , وتوارثها الإنسان المعاصر بثقافته كموروث , مع وظيفتها الطبيعية كعناصرمشتقة من الطبيعة للشجر ورقا أو النبتة ,وكأضلع السمكة تارة متعرية سوى من هيكلها, وتارة كتصوير تجريدي, ولدى خليف مع المزهرية حكايات وحكايات سابقة عرضها تصويرا بأعماله منذ البدء مميزة أعماله وطرحه , تتميزفرشاة الفنان فهد خليف بالرسم الدقيق المتأني, وإنفعلاته المستكينة لا يستعجل في الوصول للنهاية طالما هو في احتياج للترتيب بنظام معقول, يوازن من خلاله تكويناته الشكلية ليحافظ على فكرته مقتنصا اللحظة الأخيرة, فحين يشتغل يحبذ الصمت والاستفراد بوجوهه وطيوره وسمكة ونسائه ولحظات استشراق ومواصلة للصعود بفكرته إلى أن تشع بمنجزه جماليات التكوين التعبيري تغمر كل تفاصيل ومساحات اللوحة. ويؤطر أعماله حسب نظم جمالية العمل في تجربته الفنية المتضمنة لفكرالفنان خليف, فتلك التقسيمات للجداريات نلحظ أطرا متداخلة متراصة تُرصد بداخلها الوجوه ويتصدر من خلالها الطير الحكايا مقتبسا من روحانيته برمزيته لأقاصيص تربط بين الفعل والخيال كان ومازال يقرأها ..حيث أن الطير هنا ماهو إلا وجه آخر من أوجه الحياة يتوق للغناء والمرح والألفة كما تتوق هذه الأيادي لاحتضان الطبيعة وعناصرها الفارة من عالم خليف..إلى عناقيد من الأنوار في مصابيح كهربائية تشع من خلالها ألوان بشرية بسحناتها الأرجوانية الشفقية المستوحاة من الغروب ,إن الاندماج بين عناصرأعمال فهد خليف يعززه التوازن بين الثقل للشكل الدائري المتمظهر في إناء بداخله شكل دائري أصغر حجما أثقل كتلة لفاكهة زهيدة العددعلى رأس شخوص الفنان, وأيضا نجده في استدارة المزهرية من حافتها يوازنها طائره الأبيض يقف بهرمونيته ككفي ميزان , بالجزء الوسطي للوحة الجدارية, بينما نشاهد طيورا تكرر تصويرها في أكثر من جزء للعمل, وثمة يد تحمل بكفها طائر يستحوذ بشكله حيزا من التأمل ومن خلال خلفيته\"رسم الوجوه portrait متراجعا بعنصره اللوني, نشاهد ذلك في الجزء السفلي للعمل حيث في أعماله تتوارى الحقائق خلف مظهرية العمل وتجلياته الجمالية بحشد تكرارالمشهد وتكرارالألوان وتجزيء مساحة المسطح بنحو يؤطر الصورة داخليا كرسم على نحو مفتعل مقتصد بهدف مليء الفراغ, يحكمه مسارات نظمها الفنان بنظامه غير المألوف فالمتضادات تتألف عناصرها ومادتها تنصهر كليا حيال حقائق تجربته, مفصحا عن مهارته في نقل مظاهره تلك وبنائه لموضوعاته المجردة والمتشبعة بالخيال القصصي لعالم أسطوري عريق و بأجواء طبيعته المنطلقة نحو تفسير الظواهر مستخلصا من فلسفته الذاتية غاية الإنسان وعلاقته على وجه ما!. وما مليء فراغ وجوده من مخلوقات مكملة لدورته الحياتية \"كسيكلوجية\" روحانية دافئة الحنين فالخطوط والأبجديات العربية وجمالية التكوين لعناصر أشكال متماسكة بعمقها اللوني, وان كان نسقا لحرف وخطوط قام عليها فنه \"إستطيقا شكلية\" يخلقها الفنان أثناء التلوين بفرز طاقته حين انجازه, مما أعطى الحركة وأن حدته الانسيابية بأثر تلك التقاسيم والتجزء للمساحة وتحكُم قسري للتوزيع الخطي ومساره المحكم تعبيرا لمضمون الأعمال , مما له أثر على رؤية المتلقي المتتبع بالمعرض في محاولته لحصر متعته الجمالية بصريا بالرغم من المباشرة, إلا أن التكلف في ذلك الحشد الصوري بات مقبولا ومريحا, بعد أن خضع للطلاقة الفنية تسيرها نفسية الفنان, و اتخاذه من الماديات صورا تعبيرية زاخرة بالمعطيات كما في مجموعة أعماله ذات المقاسات الصغيرة نسبة للجداريات ,وأعمال أخرى متفاوتة المقاس والتي صور فيها وجوه أنيقة ترتدي قبعات, نترك للفنان سر ملازمتها لشخوصه ,وأن كانت وجوه تعكس صور بشرية تبحث لها عن مرايا في الحياة تمرق منها للعالم بنظراتها المبهمة الساهمة! يتقصد الفنان خليف المبالغة من حيث النسب في استطالة للأنف والعنق واستدارة أو استطالة تلك الوجوه, وزمته للشفاة الصامتة وتركيز فرشاته على نظرات أعين نسائه السارحة: يسرقنا جمال رسمها من التفكير في قراءة معانيها .. بمعرضه (وجه وطائر )والمحالة مع عمقه التجريبي إلى حقيقة تترجم لنا أن الفن لا يصنع بالأفكار, ولكنه يجسد شكلا منسجما وإيقاعا متناغما لوجوه وسط دوامة الحياة وجدليتها حيث الإنسان يسرد حكايته لطائر فهد خليف.وغدا أسلوبه جسر عبوره وانطلاقته إلى عوالم لا نهاية لسردها: لأنها تسير اتجاه التحرر بمساره الذاتي بعد أن جاهد في الخلاص على مسطحه فترة من الزمن سفيرا لمواصلة إبداعه.





نشرت في ((مجلة الجوبة)) العدد30 شتأ 1432هـ-2011









image

image


image

image
بواسطة : الإدارة
 3  0  1.4K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية