• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

التشكيلية الإماراتية تقول إن اللون والحركة أبرز عناصر لوحتها التجريدية التعبيرية -نجاة مكي: أرسم هويتي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 إخبارية الفنون التشكيلية- جريدة الاتحاد- عمر شبانة-هي تجربة تمتد على مدى ثلاثة عقود، شهدت مجموعة من التحولات والتطور، بحيث باتت تستحق المساءلة والحوار، من الواقعية إلى التجريدية التعبيرية رحلة بمئات الأعمال الفنية التي باتت تشبه صاحبتها لجهة البصمة التي تتميز بها، وبقدر ما تتميز الفنانة الإماراتية نجاة مكي بطابع خاص، فإنها تشكل مفردة من مفردات التشكيل الإماراتي الأصيل الحامل للرموز والعناصر التي تجسد الهوية، وبقدر ما يشكل هذا الفن أيضاً جزءاً من حركة تشكيلية عربية وكونية.


هنا حوار معها حول تجربتها التشكيلية الغنية:

بعد ما يزيد على ثلاثين عاماً، نعرف تجربتك، لكن نريد أن نعرف، من وجهة نظرك، ما الإنجاز الأساسي في مسيرتك الفنية، وأي هوية استطعت تكوينها خلال هذه المسيرة، سواء على مستوى ابتكار الجماليات أو على صعيد معالجة الموضوعات والمضامين؟




◆ بعد هذا المشوار الطويل، أجد أنني تطرقت إلى الكثير من الموضوعات، وتناولت الكثير من الأشياء، وقد أوجدت خلال تجربتي الكثير من الرموز التي اشتغلت عليها، خصوصاً الرموز التي تنتمي إلى البيئة المحلية، مع ما تطلبته التجربة من اطلاع على تجارب محلية وعربية وعالمية في المعارض والبيناليهات. ومع التغيرات السريعة التي تشهدها الحركة التشكيلية، باتت الرموز عندي تتخذ أشكالاً مختلفة، وذات مدلولات جديدة على صعيد اللون والكتلة هي التي تتحدث عن العمل الفني.

البيئة والموضوع

◆ بالعودة إلى البداية، دعينا نتذكر كيف اخترت رموزك وعناصر عملك الفني؟

◆ هذا سؤال جيد، طبعاً أول ما يخطر ببالي هو البيئة التي تمد الفنان والمبدع عموماً، الشاعر والرسام وسواهما، بالموضوع. فالبيئة هي التي تفرض نفسها على الإنسان، وهي تفرض ثقافتها، فأنا مثلاً ولدت في بيئة البحر الذي يلهم الفنان، بما فيه من إيقاعات المد والجزر واللون الأزرق والتموجات، وتغيرات لون الماء البحري، والحساسيات التي تتشكل وتتجسد من هذا المناخ، من خلال حركية معينة وديناميكية عبر ألواني التي أعبر بها عن حركة الناس والعبرات في الماء وما تمثله من رموز. رموز لما تزخر به البيئة من عناصر، إضافة إلى العناصر التراثية في دبي القديمة التي عشت فيها، وما تنطوي عليه من زخارف تراثية وتحف معمارية الأسواق القديمة. هذه المشاهدات والمخزون البصري كانت مادة مهمة. وبعد ذلك كانت المدرسة والأسرة، كانت بيئة بسيطة، وكنت أتعامل معها بشغف، فمن خلال الحكايات استطعت تخزين الكثير من الذكريات المهمة التي أستخدمها في أعمالي. هناك مخزون الميثولوجيا والجنيات وقصص المجتمع بصورة عامة.

◆ كيف استطعت توظيف هذه العناصر كلها لتقديم لوحتك وتجديدها؟

◆ عندما أتذكر عنصراً من العناصر التي اختزنها، أجد أنها تفرض نفسها في اللوحة، وعلى سبيل المثل أتذكر بقالة والدي المخصصة لبيع الأعشاب، فقد كانت الزهورات بالنسبة إلي مجموعة من الألوان والروائح التي لا تنسى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكتل والصناديق التي تختلف وتتنوع، وكنت أتوقف عند هذه الألوان والتكوينات التي شكلت مخزوناً كبيراً لدي.

◆ وماذا عن علاقتك باللون منذ البداية، كيف كنت تختارين ألوانك؟

◆ في البدايات، كنت أميل إلى الألوان الترابية والبيئية، مثل الورس والزعفران وألوان الصحراء وبيئة الإمارات ورمالها، فقد وظفتها بصورة تراثية تحمل القيم والرموز التراثية من المجتمع. هذا إضافة إلى اللون الأزرق الذي كان جزءاً من البيئة المحيطة. وما زالت الألوان تتداخل في عملي بحسب اللحظة التي أشتغل فيها، فالأزرق يفرض نفسه في لحظة معينة ليتجاور مع لون آخر، في إطار رؤيتي للوحتي وما ستكون عليه، ضمن رؤية فنية وموضوعية. فالبيئة والتراث هما الملهمان.

اللون والفرشاة

◆ لكل فنان بداية مع عمله، الشاعر يبدأ بجملة، والرسام بضربة فرشاة، كيف تبدأ نجاة مكي لوحتها؟

◆ تبدأ بسكب لون على القماشة، واستعمال الفرشاة، لكنني الآن أميل إلى استخدام يدي وأصابعي بدلاً من الفرشاة، ففي البداية أسكب كمية كثيفة من اللون، أتركها فترة وأعود لأشتغل عليها ضمن عملية تتضمن الخيال والمخزون الذاكرة والعلاقة مع الواقع، عملية معقدة تنتهي بـصناعة اللوحة أو ابتكارها وإبداعها، واستمرار العمل عليها حتى لحظة الرضا النهائي عن اللوحة، وهي لحظة قناعة بأن لا مجال لأي زيادة أو إضافات، وعندها أتوقف وأقرر انتهاء العمل على اللوحة. وهذه القناعة تأتي نتيجة رؤية التوازنات بين عناصر العمل الفني، اللون والكتل والتكوينات المختلفة.

◆ وما أهمية المحيط وتأثيره في عملك، هل له تأثير كبير، أم أن ما تصممين عليه تنفذينه دون تأثيرات تذكر؟

◆ طبعاً هناك تأثير للمحيط وطبيعته، فالفنان لا يستطيع العمل في ظل إزعاج مفروض عليه من الخارج، لكنني أستمتع بالعمل في ظل وجود الموسيقى مثلاً، أو الأغنية الجميلة، أو حتى الهدوء الكامل. فأنا لا يمكن أن أرسم في أجواء صاخبة، ربما أشارك في ورشة متخصصة بالرسم فأرسم، في بينالي أو سيمبوزيوم يمكن لي أن أبدع وأتفاعل مع التجارب المشاركة، فوجود عدد كبير من الفنانين يعملون يشجع على العمل والإبداع.

◆ ننتقل للحديث عن عناصر تكوين الفنان، الموهبة والخبرة والتجربة وسواها، أي هذه العوامل كانت الأهم بالنسبة إليك؟

◆ الموهبة أولاً طبعاً، فمن لا يمتلك الموهبة لا يمكن أن يدخل التجربة، ثم تأتي الدراسة التي تصقل الموهبة، وبلا دراسة تظل الموهبة مادة خام لا يمكن أن تنتج فناً جديداً، فالدراسة تفتح للفنان الطرق والأساليب ليسلك الدرب التي يريد.

◆ الدراسة مهمة، ولكن ما الفرق بين من يدرس مرحلة معينة ومن يتجاوزه إلى مرحلة متقدمة؟ وما أهمية الثقافة للفنان، والشعر بصورة خاصة؟

◆ الفرق هنا في اكتساب المعلومات والعلم المتعلق بالتجارب الفنية العالمية، والاطلاع على المعارض والمتاحف، وبخصوص الشعر فهو صورة لغوية يمكن للفنان أن يحولها إلى لغة بصرية، يحول القصيدة إلى رؤية باللون والحركة، وهنا تتدخل بعض التقنيات الحديثة.

توظيف الخامات

◆ في ما يتعلق بالتقنية وعلاقتها بالفن، كيف تنظرين إلى هذه العلاقة وتأثيراتها على عملك؟

◆ اليوم أصبح الفنان أكثر معرفة بالخامات والمواد؛ لأن الخامات الحديثة أعطتنا مساحات جديدة للعمل والتغيير، واستخدام التقنية يجب أن يكون استخداماً فنياً، ويجب أن يتم ذلك ضمن مسار فني أولاً، واستخدام مبدع للخامات والتقنيات، دون الخضوع للجانب التجاري، مع أن الجانب التجاري مهم لتسويق الأعمال الفنية وترويجها. لا يجوز هذا الاستخدام والتوظيف العشوائي للمواد والخامات، ويجب أن يتم التوظيف ضمن رؤية جمالية وفنية. فتوظيف التقنيات يجب أن يكون فنيا، فعندما أستخدم الرمل مثلا، بمكن أن أستخدمه بطرق مختلفة، ويمكن الإشارة هنا إلى استخدام عبيد سرور للرمل بطريقته الخاصة، وبعيداً عن تلك الطريقة التجارية، وإنما بتوظيف جيد لعناصر البيئة.

◆ بمناسبة الحديث عن البيئة واستخدام عناصرها، فإلى أي حد استطاع الفنان الإماراتي توظيف عناصر البيئة في تجربته الفنية؟

◆ أستطيع هنا أن أستحضر تجارب كثيرة من بينها تجربة عبيد سرور مع الرمل، وتجربة الدكتور محمد يوسف مع أشجار النخيل، واستخدام منى الخاجة للزخرفات في أعمالها، وكذلك ما قدمه الفنان عبد القادر الريس في تجاربه وعلاقته الوثيقة مع البيئة، وغير ذلك من التجارب المحلية. والآن هناك الكثير من التجارب الجديدة التي تسهم وتقوم بالتجديد والتطوير والاستفادة من التجارب العالمية.

◆ كيف كانت تجاربك العربية والعالمية؟

◆ بالنسبة لي كان تأثير التجارب العالمية كبيراً، من خلال المشاركات الخارجية، بدءاً من التجارب الخليجية وما شكلته من اختلاف، مروراً بالعالم العربي خصوصاً بالنظر إلى سوريا وما تمثله من بيئة مختلفة ومتميزة، فقد تعرفت في سوريا إلى الكثير من التجارب المهمة. وفي الصين كانت هناك تجربة مختلفة لا تتكرر من حيث سماتها ومميزاتها، لأنني عشت في الصين أربعين يوماً بين الكثير من فناني العالم، وما تنطوي عليه التجارب من تنوع وغنى في الثقافة والتقاليد. وكذلك الأمر في أميركا فقد استفدت من تجارب كثيرة من خلال زيارات للمتاحف والمعارض.

تجارب إماراتية

◆ حدثينا باختصار لو سمحت عن التجارب التشكيلية الإماراتية، وما توصلت إليه من جديد؟

◆ أتوقف هنا عند التجارب الشبابية بصورة عامة، والتجارب التي تقدمها الفنانات الشابات بصورة خاصة، بما تقدمه من فكر وإبداع، وما تتميز به من فكر حداثي بروح جديدة تختلف عن الحداثة التي اشتغلنا عليها في الثمانينيات؛ لأن الشباب قد تأقلموا مع المفاهيم الحديثة وتعايشوا مع مفرداته، بينما جيلنا لا تزال علاقته مع هذه المفردات علاقة بسيطة. ومن ذلك على سبيل المثال البرامج المستخدمة في الكمبيوتر، مثل برنامج الفوتوشوب الذي كان أمراً غامضاً وصعباً في فترة ما، ثم أصبح من الأمور السهلة اليوم. فاليوم صار في إمكان أي شخص أن يلعب بالصورة ليقدم لنا عملاً قد يكون جميلاً لكنه ليس عملاً فنياً، إذ إن التقنية وحدها لا تقدم عملاً فنياً، فالكمبيوتر هو مجرد أداة لا يمكن أن تنتج فناً من دون خيال الفنان وموهبته ورؤيته. ولا بد من وجود الرؤية الواسعة للعالم أيضاً حتى تتحقق شروط العمل الفني.

◆ نتوقف مع ما يمكن اعتباره شكلاً من الفلتان في الساحة الفنية، بحيث تختلط المعايير، ويستطيع كل من يدعي الفن الدخول للساحة، فكيف يمكن فرز التجارب الفنية الحقيقية عن التجارب الزائفة؟

◆ هذه المسألة تتعلق بالوضع الثقافي عموماً، وليس بالفن التشكيلي تحديداً، والعالم كله يشهد مثل هذا الفلتان كما تسميه، لكن التركيز يمكن أن يفرز التجارب الجادة، وهناك الآن من يفرز الجيد من الرديء، فمن يقلد عملا لبيكاسو يجري اكتشافه بسهولة، وهكذا مع غيره من الفنانين.

◆ في هذا الإطار ينبغي الحديث عن النقد الفني، أين هم نقاد الفن التشكيلي في الإمارات؟ وحتى في العالم العربي كله؟

◆ طبعاً هناك مشكلة في نقد الفن التشكيلي على المستوى العربي، وبالقياس يمكن النظر إلى الوضع النقدي في الإمارات قياساً إلى عمر التجربة التشكيلية، التي لا تزال تخطو خطواتها التي لا تتجاوز الثلاثين عاماً، ولكنها وضعت خطواتها على الطريق، وباتت لها بصمتها، لكن النقد ليس سهلاً، فالناقد بحاجة إلى الثقافة والخلفية التراثية، وهناك مجموعة من الشباب الذين يحاولون تقديم قراءات انطباعية وشخصية للأعمال الفنية، وعدا ذلك فالتجارب النقدية تكاد تنحصر في مصر وسوريا والعراق وتونس والمغرب العربي عموماً. فالفن عبارة عن تراكمات، ولو حسبنا عمر التجربة الفنية في مصر وسوريا بتجربتنا الإماراتية لوجدنا الفارق الكبير. هناك المعاهد والكليات التي تقدم التجارب الفنية والنقدية منذ قرن من الزمان، بينما في الإمارات ما زلنا في البدايات. طبعا هناك النقاد الصحافيون الذين يكتبون في الصحف كتابات سريعة، وهناك نقاد كتبوا الدراسات، والآن هناك من يتجه للنقد الحقيقي والمعمق، لكن الأمر يتطلب سنوات، عشر سنوات على الأقل. فنحن نحتاج إلى ناقد قدير يدرس العمل من جوانبه الجمالية والموضوعية والقضية التي يريد الفنان أن يعبر عنها.

دعم الفنانين

◆ هناك اليوم ظاهرة العمل على تشويه الوجه والكيان البشري، كيف تنظرين إلى هذه الظاهرة؟

◆ هي ظاهرة طبيعية ما دامت تستخدم الأدوات الفنية بشكل سليم، فمن الممكن والطبيعي للفنان أن يرسم ما يشاء كما يشاء، وعلى سبيل المثل يمكنني رسم الشيطان في صورته البشعة، ولكنك ستجد لوحة جميلة.

◆ ماذا عن دور المؤسسات الرسمية والأهلية في دعم الحركة الفنية؟

◆ هناك دور كبير في دعم الفنانين خصوصاً الشباب منهم، حيث قامت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بقيادة الوزير عبد الرحمن العويس بدور مهم في تقديم التجارب الفنية في الداخل والخارج، وساعد في ذلك أن العويس هو نفسه فنان لكنه دعم الثقافة بصورة عامة أيضاً، وكذلك هناك الكثير من المؤسسات هيئة الثقافة في دبي، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة تقوم بجهود مهمة لدعم الفنون من خلال البينالي الدولي، وهناك هيئة أبو ظبي للثقافة ونتذكر معرض بيكاسو قبل سنوات، وثمة المنح الفنية التي تقدمها الهيئات والمؤسسات للموهوبين، وهناك دور لندوة الثقافة والعلوم ومؤسسة العويس. كما تنبغي الإشارة إلى الحوافز التي تتمثل في الجائزة التقديرية التي فزت بها بعد عبد القادر الريس ثم نالها الدكتور محمد يوسف ونالها أخيراً الفنان وعبد الرحيم سالم. كل هذا الزخم قادر على خلق حالة وحراكا فنيين. ولا بد من الإشارة إلى التنوع والاختلاف بين هذه المؤسسات ودور كل منها.

◆ أتوقف معك عند ظاهرة الجاليريهات ذات الأغراض التجارية والمزادات الفنية، كيف تنظرين إلى هذه الظاهرة التي تتميز بها دبي أكثر من سواها؟

◆ ترتبط هذه الظاهرة بكون دبي مدينة ذات طابع اقتصادي عالمي، ولذلك يتم استيراد الكثير من التجارب، وهناك من هذه التجارب الفنية ما هو جاد ومتميز، فهناك من هو متخصص بالفن في الهند أو إيران، وحين نشاهد أعمال الفنانين من هذه الدول نشعر أن هناك تجارب متقدمة وعلى مستوى عالمي، وليست ذات طابع تجاري. والأمر متروك للمهتمين من المتذوقين والمقتنين، فحين يكون لدينا هذا الكم من التجارب فهي فرصة أكبر للاختيار.






بواسطة : الإدارة
 0  0  602

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية