• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

قراءة في تجربة الفنانة التشكيلية فاطمة بنكيران

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
محمد البندوري - مراكش تدبير المجال الجمالي مسلك تعبيري يتجاوز المنحى التجريدي ويؤسس لمنهج أسلوبي فريد
تتسم عملية البناء في تشكيلات الفنانة التشكيلية فاطمة بنكيران بحركة ضوئية تخترق مجال الألوان الدافئة التي صنعتها لتأدية مرامي عميقة، تحرك سكونية الفضاء الذي ينبني أصلا على السكون، إلا أن صناعة الضوء أحيانا تضع المادة كليا في مفارقة بين سكنات البناء وتحولات المادة التشكيلية، وتصنع الفنانة التشكيلية هذه المادة بتنويع لوني، يتشابك مع بعضه، في إطار تناسقي جميل وبديع، وهو أداء ينم عن تجربة الفنانة فاطمة بنكيران الواعدة من جهة، وأيضا تفرز اقتران نفسيتها بالهدوء الطبيعي والحركة التي يصنعها التوثر. فالعملية الإبداعية لدى الفنانة التشكيلية فاطمة بنكيران تنبني على ملمس سكوني للعالم الذي تسبح فيه، والذي يفاجئها بنبضات تحولية، وهو ما تفرزه صناعة الكثل اللونية وتنوع أشكالها، ليضحى جوهر القيم والمثل لديها مادة دائمة البحث.. وهو ما يجعل مخيلتها تروم لمسات فنية، يكتنفها التناسق بين مختلف العناصر المكونة لأعمالها، من ألوان ساخنة، وخطوط ودوائر وأنصاف الدوائر، فضلا عن اختراق الضوء لكل تلك المجالات بطرق هادئة وممنهجة. فهي كلها مواد أيقونية للتعبير عن خلجاتها وهواجسها وشعورها بإلهام وخيال فنيين عميقي الدلالة، وبعلامات لونية تتوخى من خلالها الإجابة عن تساؤلات الواقع..، إن الأشكال الضوئية النابعة من الأسفل، تتوقف عند منتصف الخطوط التعبيرية المغلقة، تحاول فاطمة أن تقارب بها جوهر عملها بالمادة الأساس الذي أنتجت عليه العمل كله، ولذلك يتبدى حابلا بالإيحاءات والتصورات والتخييلات التي تدل قطعا على مغازي معينة، بل وعلى معارف خاصة. وهي في الحقيقة إمكانات تعبيرية جالت في مخيلة الفنانة المبدعة وغذت تصوراتها، مما يمنحنا مجالا وخيوطا خصبة للتفاعل مع مكنونات أعمالها، ويبين لنا تلك المرامي المختلفة والمتنوعة في الاستعمالات اللونية التي تروم أخذ اللون من جنسه واستعماله في ثنائية متقاربة حينا، وفي تقاطعات أحيانا أخرى، وتسريب اللون الأبيض من الأسفل دون المساس بلب العمل، إنها ترادفات تلعب فيها تقنيات المبدعة فاطمة دورا جوهريا في التوظيف والمعالجة، لتقارب بها بين الجانب الفني في العمل، وبين المعنى الذي تتوخاه. إن هذا المرمى التقني يساعد بشكل كبير في عملية إنجاز مادة تشكيلية خصبة تلامس الوجود الحسي والبصري بنوع من المهارة والتقنيات العالية، إن هذا المنحى المهم تتوفر عليه الفنانة فاطمة بنكيران، مما يجعل تجربتها رائدة في الحركة التشكيلية المعاصرة. فبالإضافة إلى التقنيات التي تستعمل، فهي ترصد تصوراتها أثناء عملية التنفيذ مما يجعل دورها فعالا وواضحا في دائرة التشكيل الجمالي. علما أن هذا الجانب يقود الأسلوب نحو حداثة الأسلوب.
إن هذه الصناعة النوعية لدى فاطمة بنكيران تكسب عملها نسيجا سحريا، والبطل فيه تلك العلائق المتينة بين الأبعاد الزمانية والمكانية التي تفسح المجال لنسج ثنائيات فنية جميلة، وبين مختلف الألوان والرموز والعلامات. إنه مسار يقود نحو أسلوب خاص وفريد، يمتح من الفن التشكيلي أسسه المتينة وينسج عوالم إبداعية تقود نحو الابتكار بألوان وأشكال معاصرة.
ومن جهة أخرى، فإن تمرد الفنانة فاطمة على قسوة وجور هذا العالم الحاضر، يتضح جليا من خلال معكوساتها الإيحائية، حيث تتبدى العلامات التي تفسر طغيان هذا المعطى، وبالمقابل تصوب فاطمة نقيضه من لون محاد له وعلامات ورموز مقابلة لبعضها، إنها ثنائية تبدأ من عملية البناء المتقن وتنتهي إلى معالجة خاصة، بثنائية إبداعية تسبح في روحانيات ومثل ذات قيم نوعية. وهو عمل تحكمه الفطرة والانسيابية والعفوية، ولا يمكن عده هروبا من الواقع، وإنما معالجة بطريقة فنية بانفتاح راق عن عالم آخر، يفصح عن ذلك التركيب اللوني المدجج بالجماليات والتناسق في الأشكال والخطوط وانتقاء الألوان.
إن أصالة فاطمة بنكيران تحتم عليها البقاء بروحها في لب التراث الحضاري المحلي، وطموحها يقودها إلى عوالم تطرح أعمالها في سياقات ورؤى فنية متعددة، إنها صناعة تمتع المتلقي بالعديد من المنمنمات الجمالية الرائعة. تشيء الأشياء داخل الفضاء اللوني وفق وهج فني عميق، إنه إنجاز موفق وأسلوب تشكيلي جديد في التعبير بالثنائيات، ينم عن تجربة عالمة وخبرة قائمة، من حيث عمليات التوظيف الرمزي والعلاماتي، وأيضا من حيث تدبير المجال الجمالي فيما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج الخطوط والدوائر والرموز والعلامات في نطاق التجاور والتمازج والتماسك، الذي يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة للوحة، ويوفر التنغيم والتباين والتكامل والانسجام. إنه مسلك تعبيري يتجاوز المنحى التجريدي ويؤسس لمنهج أسلوبي فريد، يحرك مشاعر الناقد الخاص والمتلقي عموما.
إن لوحات الفنانة التشكيلية فاطمة بنكيران تنطق بقيم فلسفية وإنسانية تحرك المشاعر، وذلك لتفاعلها مع أنساق لونية دافئة بتوظيفات خاصة، فأعمالها لا تحدها حدود وإنما تجوب كل الأرجاء بوجدانية وواقعية إيحائية، وبتطوير وتغيير، وبأشكال تتبدى فيها المناحي الإنسانية في أبعادها الجمالية، وتظهر فيها التصورات المختلفة، فكل جديد في رؤى الفنانة فاطمة له مسلك نوعي تنبني عليه العوالم المكونة للوحة، وهو ما يعني أن فاطمة تستعمل ألوانا محددة استجابة لضرورات تتعلق بأعمالها الفنية ومتعلقاتها، وأيضا لكي يتفاعل فنها مع حاجيات المتلقي الروحية، ومع كل الأشكال الرمزية التي يحتويها الفضاء. وهذا أيضا يعد بعدا آخر في فلسفة الفنانة فاطمة، يدعم القوة التعبيرية الحديثة لديها. ويعطي انطباعا بأن الفنانة تعمل وفق تصورات ورؤى مركزية، توزعها وفق، أسلوبها الإبداعي الذي يشهد لها بالجودة والحداثة الفنية المتميزة.

بواسطة : الإدارة
 0  0  590

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية