• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

تشكل الكثافة اللونية تركيبا إيحائيا وجماليا لا تنتهي معالمه

قراءة في تجربة الفنان التشكيلي مولاي رشيد الإدريسي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. محمد البندوري - مراكش تستحوذ الألوان على كل الفضاء المدجج بالمعالم الإيحائية، فتصبح المساحة في أعمال مولاي رشيد الإدريسي لغة لونية، تنطق بالعديد من المفاهيم المختزلة في الضربات اللونية المربعة والدائرية، في تناغم وتوليف وانسجام، وهي توحي بالحياة والحركة، سواء من المنظور الإبداعي، أو من خلال التركيبة الجمالية أيضا، حيث يستهدف الفنان التشكيلي مولاي رشيد الإدريسي مجموعة من القيم، بروح شفافة ترصد كل مقومات الوجود المترامي الأطراف. وقد يعتمد الفنان الإدريسي على الكثافة اللونية، وسد كل منافذ الفضاء.

وبذلك تتبدى لوحات مولاي رشيد الإدريسي انعكاسا روحيا يختزل جملة من المعالم، ويصور مجموعة من القيم بتقنيات عالية، ويمثل أصنافا من الوجود والحياة، بانسيابية وعفوية وانطباعية، ويميل أحيانا إلى بعض من الأوصاف السوريالية، على نحو من الهدوء، ونوع من التروي والدقة، والرزانة والموازنة، بين المادة التراثية الجادة، والأصناف التعبيرية، بشكل يمتح بعضا من مقوماته من المجال السوريالي، يتجاوز الخيال في أحايين كثيرة، لتعود المادة التشكيلية إلى حدود الواقع، الذي انبثقت منه، تجسدها بعض الألوان الدافئة؛ وبالرغم من عامل الطاقة الحركية التي يصنعها الشكل، ويولدها اللون بكثافته، ودلالاته الرمزية المتعددة والمتنوعة، فإن ما ورائيات ذلك، تتبدى وتتمرأى في أشكال متنوعة من المعاناة، وتظهر جلية في الكثل اللونية المنزوية في خانات شكلية، تبرز تدريجيا مع اللون.

ولعل هذا يبرز جانبا كبيرا من التفاعل الجدلي بين المكونات التحولية للعالم، ومبتغيات الحياة ولوازمها، بتوظيف إبداعي نوعي، يعتمد تدفق اللون المعاصر وتكثيفه، وينتهي إلى أبعاد زمانية ومكانية، وفق تسخير فضائي يلامس المادة التراثية، في محاورة طليقة كأساس في عملية البناء.

وهو ما يجعل هذه التجربة الفنية، تنبني على أسلوب فريد، لكنه يميل إلى التعقيد أحيانا، بالرغم من الوجود العلائقي المكثف بين مختلف الرموز والعلامات والألوان، وبالرغم أيضا من وجود انسجام بين مختلف العناصر المكونة للوحة، فإن مجال الحجب يتسع ليشمل غالبا، معظم الفضاء. ولعل مجال الكشف، يتخذ من الطريقة في التوظيف، ورصد محيط الألوان، وتفكيك الرموز، أدوات تستجلي بعضا من المكنونات، فتتبدى اللوحة لدى مولاي رشيد الإدريسي ناطقة بأحاسيس إنسانية عميقة، وبتعبيرات قيمية محسوسة، تتحرك بكل الصبائغ الفنية، التي تتخذ من الألوان الحمراء والخضراء والزرقاء أداة نسيجية، وأفقا تعبيريا وتصوريا، يفصح عن العديد من المعاني، ويقرب المتلقي من المادة التشكيلية.

واستنادا إلى النقد التشكيلي، فإن أسلوب مولاي رشيد الإدريسي التشكيلي يبسط طرائق متعددة، لصنع مجموعة من العلاقات الجدلية، والأساليب التحاورية، والأدوات التحولية، وبعض الأنماط التعبيرية، والتداخلات الرمزية والعلاماتية، والاستعمالات اللونية الكثيفة والمنسجمة، التي يسعى من خلالها، إلى صنع مجال تشكيلي، يقوم على أبعاد رؤيوية شخصية للفنان، لكنه يتقيد بذلك ويستجيب له بشكل مطلق، مما يفرز غموضا في أحايين كثيرة، ويطرح السؤال حول ماهية اكتمال البعد الجمالي في صيغته النهائية، بالرغم من كون إشكالية السر تدعم المجال التعبيري الحديث، وإشكالية الغموض تدعم المسار الإبداعي المعاصر، إلا أنهما يطرحان حواجز أمام المتلقي العادي.

ولا يمكن استثناء الأبعاد الفلسفية في أعمال الفنان التشكيلي مولاي رشيد الإدريسي، وهي تتبدى بشكل صريح وتتفاعل مع المعطيات التشكيلية الحديثة، وتنبثق أساسا من المجال التعبيري، الذي يتميز به الفنان، ويختص به، ضمن النسيج الثقافي، والرصيد المعرفي التشكيلي، الذي يحيط به، ويتحكم في تدبيره، داخل العمل التشكيلي. وأيضا من خلال توظيفه سواء بشكل انطباعي، أو تلقائي، أو بوعي داخل الفضاء، بشكل مروني كبير. وبكل ذلك يختص الفنان التشكيلي مولاي رشيد الإدريسي برؤى فلسفية متناسقة ومترابطة، يؤكدها أسلوبه التعبيري المتنوع المضامين، حيث يعكس بشكل جلي ثقافته التشكيلية الخصبة، والموسوعية في التفكير والتنظير، وهو ما يعد دافعا ثانيا وحافزا مشجعا نحو الارتقاء والابتكار أثناء العملية الإبداعية.

إنه في الواقع النقدي التشكيلي انزياح عن المألوف في عالم التشكيل، وارتماء في التعبير وفق طقوس ومفردات لا تنتهي، لأنها تستمد كينونتها ووجودها من نبع متعدد الأطراف، والمناحي والتصورات والرؤى، وهو أيضا، إرساء لمقومات العمل الفني المبني على أسس من الخبايا والرموز التشكيلية المختلفة. وإن لجوء الفنان لهذا المنحى المعرفي والفلسفي بتعبير عميق، هو في الأصل لجوء إلى عالم جديد بمقومات وتوابث أصيلة، تحتوي مخزونا حضاريا كبيرا. فمن خلاله يثبت داخل لوحاته أشكالا وأنماطا وعوالم جديدة، تؤتث لمنحى فني تفاعلي يدحض البناءات الفراغية في اللوحة، وينسج مجالا تراكميا، متكاثف الألوان والرموز والعلامات، باختيار منظم، يعتمد غايات فنية مستمرة صرفة، وهي سمة تلوح أنوارها في إبداعات مولاي رشيد الإدريسي، وفق تفاعليات وجماليات متنوعة ومختلفة، سواء على مستوى التقنيات المستعملة أو على مستوى المادة اللونية بكل مضامينها ومقوماتها، أو على مستوى التباينات الموظفة بشكل منتظم، أو على مستوى التعابير الفنية والمفاهيمية، التي تنطق بها اللوحات وتفرزها هياكلها. إنه بذلك يثبت وجوده وحضوره في الساحة التشكيلية المعاصرة الرائدة.


image
بواسطة : الإدارة
 1  0  1.3K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية