• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

المكان وعلاقته بالمبدع والعمل الفني: نموذج عبدالرحمن السليمان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قراءة الشاعر والناقد: احمد سماحة منذ أعماله الأولى التي اتكأت على المعطى البصري المكاني والفنان التشكيلي عبدالرحمن سليمان يتخذ من هذا المعطى محورا لإبداعاته يشكله ويجرده ويرمزه ويحاوره ويسبغ عليه من ذاته مايبرز هويته ويؤكدها،فهو المنطلق الحقيقي لإبداعاته الفنية الذي يعبر عن رويته للواقع والحياة والجمال من خلال القبض على المفردة وتوظيفها في اللوحة، ولقد شغل المكان التراثي بالتحديد الفنان السليمان فحصر فيه رؤيته الفنية وقطع شوطا كبيرا من تجربة تقديمه في أشكال جمالية ترتبط بالعضوي او تنفصل عنه.

والسليمان الذي ولد في منطقة الأحساء الغنية بالمعطيات البصرية بثرائها الموغل في القدم يقدم هذا المعطى كشخصية لها حضورها في أعماله.

يقول السليمان ارتبطت كثيراً بطفولة عشتها في الكوت أحد أحياء مدينة الهفوف بالاحساء، وهذا الارتباط يتعدى في كثير من الأحيان حيز الكوت إلى الأحساء المترامية الأطراف وقد عشت طفولتي في هذا المكان الغني بمعطياته البيئية والاجتماعية والحضارية والدينية.. الخ.

كنا صغارا وكانت أسرنا تأخذنا في رحلات أو نزهات إلى المناطق الطبيعية، العيون المائية بشكلها الطبيعي.. والأخضر الذي تعكسه درجات متعددة من أشجار عملاقة والأزرق الذي يمثل انعكاس السماء على المسطحات المائية..

لقد كان لهذه التربية البصرية إضافة لما يملكه الفنان من موهبة هي المحرك الأساسي للإبداع الذي أثرى به السليمان الساحة التشكيلية وأضفى على أعماله الكثير من التمايز والخصوصية يقول هشام قنديل: في لوحات السليمان واقع لا يمكن انكاره وهو واقع مستقى من بيئته ومن حياة الأسواق والألعاب الشعبية وغيرها.

إن السليمان وعبر الخطوط والألوان يفلسف هذا الواقع ويسبغ عليه من ذاته ليقدمه لنا حافلا بالإيقاع الفاعل ففي أعماله الأولى يقدم لنا المكان التراثي من خلال تعبيرية تتوخى المساحات الهندسية والتردد الزخرفي كأساس ويحدد لنا أي تراث يتعامل معه، وهل هذا التراث يحرك في داخلنا شيئا ما..؟ ففي الفن التشكيلي مثل مافي الشعر الأحاسيس هي التي تحركنا وليس المعنى والأحاسيس لها علاقة بالجمال والإيقاع، والسليمان يدرك ذلك فيقدم لنا وحداته التشكيلية في تكوينات واضحة وألوانه هادئة لها شفافية ونورانية مشعة توحي بالألفة، وهو في أعماله لا يقدم لنا الواقع ولكنه يقدم لنا فضاء تشكيليا يموج بالطاقة الروحية المتفجرة من التكوينات، فضاء جديدا يتمثل الواقع ولكنه لايشابهه.

يجمع السليمان بين التجريد والتعبير في توازنه حيث لا يطغى العقل على العاطفة أو العكس، فأعماله مزيج من الأداء العفوي التلقائي والبناء الهندسي، بين التجريد الحر والتجريد الهندسي متفاعلا مع مفردات بيئته تفاعلا حميما متجاوزا الرؤية التسجيلية إلى عمق الإحساس ودفء المشاعر دون الإفراد في الزخرفة أو الإسراف في التنميق يقول السليمان: لقد كنت أشاهد في أسواق الأحساء، أبناء البادية الذين يعيشون في خيامهم أو هجرهم في أطراف المدينة يأتون بمنتوجات أغنامهم وكذلك المنسوجات التي يصنعونها بايديهم والتي تتجلى فيها فطرة الصنعة وقوتها واختيارات اللوان وتشكيلاتها.. هناك تلخيص لشكل عضوي تعرفه البدوية وتتعامل معه.. لعله (جمل أو ماعز) أو غيرها.. وهناك في ركن آخر من القطعة المنسوجة أشكال نباتات مجردة ذات لون واحد.. أو أشكال هندسية.

الوان محددة ولكنها زاهية، ملفتة ومبهرة بتشكلاتها الفطرية...

من هذه الثقافة البصرية ومن هذا الفن القطري تشكلت رؤية السليمان ونما وعيه الفني وتأكدت قدراته بالممارسة والموهبة، الوعي بالمعطى التراثي ومفرداته دون الوقوع في أسر تقليده واكتشافه وبلورته وتوظيفه بوعي دون رصده ونقله إلى فضاء اللوحة.

يقول الفنان أحمد خوجلي: .. من وراء ذلك النور المبهر على جدران المشهد التشكيلي تظهر إيقاعات ريشة السليمان لتدوزن المعقول في مرئيات الفن التشكيلي دون تشويه أو تؤرق انطباعات المشاهد انطلاقا عن الموجودات الحسية داخل تعابير تلك المنظومة الحية التي يختارها من الواقع مباشرة بحس انساني مطلق وعبر دعامات لونية مضاءة كانطلاق الشمس الأولى على البيوتات القديمة والأزقة المتراصة ومن ثم الحضور الإنساني.

لم تتوقف رؤية السليمان التشكيلية عند حيز بعينه أو فضاء مكاني محدد أو الوقوع في أسر لون أو قيمة تراثية تتكرر دون هدف.

ولكنه بقدراته ومثابرته استطاع ان ينفلت من أسر المكرر والمعاد وان يختزل ويجرد ويجرب ليقدم أعمالا تتكئ على المعطي التشكيلي بمكتسباته التقنية ولكنها تنتمي في آن إلى واقع بعينه وتمتلك هويتها الخاصة.

يقول الفنان الناقد عز الدين نجيب: نجد لدى عدد قليل من الفنانين ـ اهتماما بالإجابة على ذلك السؤال الحضاري: ماهو الشكل الجمالي العربي الذي تتحاور به مع الشكل الجمالي الأوربي؟ بعبارة أخرى كيف نبدع إضافتنا الجمالية التي تؤكد هويتنا الخاصة مستفيدين في نفس الوقت من التطور الإبداعي للفن الأوروبي الحديث؟

وقد تفاوتت الإجابة على هذا السؤال بين الاختيار السهل للأنماط الأوروبية وبين الاختيار الصعب لاستلهام روح التراث وإطلاقها بجرأة من خلال شكل ديناميكي حديث.. ولعل هذا ما حققه الفنان السعودي عبدالرحمن السليمان، بمتتاليته الموسيقية العربية التي تقوم على نسق جمالي هندسي يعتمد على الوحدة الزخرفية المتواترة التي توحي بالتسبيح والتوحيد مستفيدا من التصوير العربي القديم ذي البعدين.

لقد استطاع السليمان في أعماله الأخيرة ان يؤكد هذه الرؤية فينقل الطاقة الروحية والتراثية إلى فضاء اللوحة عبر تكوينات غاية في الرهافة تنفلت من أسار الكتلة إلى رهافة الخط كأنها موسيقى ضوئية تنبعث من فضاء اللوحة إلى بصر وإذن المتلقى في دفقات حالمة ذات إيقاع هادئ ولكنه عميق انه يختزل المكان والزمان برسوخهما الصارم إلى خطوط والوان شاعرية تنطلق من اعماق الماضي إلى افق ورحابة المستقبل.

يقول خليل صفيه الناقد السوري: لابد أن نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية في أعمال السليمان وهي تجريده للزخرفة، قواعدها وتشكيلاتها الكلاسيكية والتعامل معها بعفوية، ومن خلال مخزونه البصري، واستخدام الخطوط والزخارف على مساحات لونية تقترب من التجريد ولاتفرق فيه بل تعكس الواقع عن طريق تعبيري رمزي () وبالتالي قام ببناء عالمه الخاص الذي استمد عناصره ومقوماته من البيئة ومن التراث ومن أجل الوصول إلى المحتوى الذي أراده بكثير من التلقائية والعفوية والشاعرية.

ويؤكد السليمان: لم اكن في حقيقة الأمر اكتشف هذه العلاقة بيني وبين المكان الذي نشأت فيه وأنا أمارس العملية الفنية.. فأنا أكون عادة مستفرقا في القبض على صور واشكال خارجية بلا وعي من الذات أو من ذلك المخزون الذي تراكم منذ بواكير مشاهداتي وتأثيراتها على تشكيل رؤيتي.. لكن الذي يضاف ايضا.. هو هذه اللحظة أو الحدث الذي قد مر للتو، ومازال عالقا.. بل تاركا اثرا ما في مخيلتي.. وتلك التراكمات التي بدأت منذ نعومة أظفاري...

المكان الفني عند السليمان والذي يتبلور في لحظة الإبداع يشكل الألفة والحميمية التي نحسها ونستشعرها ونحن نتلقى أعماله، ويعد السليمان ضمن الفنانين التشكيليين العرب القلائل الذين لم يتأثروا كثيرا بالأنماط التشكيلية السائدة في العالم، وهو في رؤيته وتجريبه يضع نصب عينيه هويته المكانية بما تحتويه من مفردات كثيرة ويعي في الوقت ذاته متطلبات العصر والتطور المتسارع الذي يعيشه إنسان هذا العصر والمتغير الحضاري الذي يطال المكان أحيانا فيسبغ عليه من عصريته ما يؤثر في تكوينه ومفرداته، وهو دائما يطور أدواته ويعمق رؤيته وينمي قدراته ويتبدى لنا ذلك ونحن نتابع مراحل تطوره الفني وأعماله ومعارضه.

وتبقى كلمة أخيرة لنا وللفنان السليمان، أما كلمتنا فتشير إلى اننا هنا لانتناول أعمال السليمان نقديا ولكن نؤكد على هويته الفنية التي اتكأت على المكان أما كلمة السليمان فتقول: ان المكان الأولي لم يزل شكلا يفرض حضوره في عدد من أعماله، ربما يتراوح هذا الحضور من لوحة إلى أخرى ولكنه ـ حضور غير هامشي ـ وهو حضور أسهم في تمايز لوحاته وألوانه وحتى في تطور أشكالها وعناصرها.. وتؤكد على ان اللحظة التي يمارس فيها فنه هي اللحظة التي ينطلق فيها لإبداعاته وتجربته التشكيلية.

image
الكاتب والفنان التشكيلي/ عبدالرحمن السليمان


image

image

image

image

image

image

image

image

image

image


image

image
image

image
بواسطة : الإدارة
 0  0  1.2K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية