• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

الرسام السعودي عبد الرحمن سليمان في «حفريات الغياب والحضور»

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحياة-فاروق يوسف في قاعة نايلا (الرياض) يقيم الفنان والناقد السعودي عبد الرحمن سليمان معرضاً جديداً لرسومه، يحمل عنوان»حفريات ما بين الغياب والحضور». في معرضه السابق (أقيم في جدة) كان سليمان متفائلاً بالأثر. أراد أن لا يخطئ الطريق إليه. كان يرسم علاماته مثلما لم يرها أحد من قبل، متلذذاً بوقع خطاه على طرق يعرف أنها ستحفظ له التوازن بين عالمين: التجريد والتشخيص. كان هناك نوع من الابتهاج بحضور الحواس كلها. «لنحتف بأثر شيء ما» لم يقلها الرسام يومها، غير أن رسومه كانت قد امتلأت بوقائع وأشياء مبهمة، لم يقف إبهامها في طريق جمالها الذي قفز إلينا مدفوعاً بخفته.

لم يكن سليمان يقوى على أن يسأل الأثر عن ماضيه لئلا يشي به.

سيكون عليه أن يبحث عن أثر الناس العاديين من غير أن يكون ذلك سبباً للحاق بهم بصرياً على الأقل. لن يكون الأثر الذي تركوه جزءاً من عاداتهم اليومية. كان الاستثناء الذي استفز الرسام بصرياً. سيقول لنفسه «إنهم يجندون أيديهم من أجل خدمة أفكارهم الخفية» ويبدأ في اقتناص تلك الأفكار، فكرة بعد أخرى وهو يعيد حياكة نسيجها كما لو أنه يروي حكاية كانت في طريقها إلى أن تقع. هل كان الرسام صائد أفكار؟

في رسومه يبدو الأمل في العثور على فكرة شاخصة ضعيفاً.

لهذا كانت حفرياته ضرورية لكي يقنعنا بأن جمالياته القديمة لم تكن كافية لإقناع الأثر في الخروج من مخبئه والاعتراف بأسراره. هناك نوع من التكافؤ يفكر الرسام في إقامته بين ما صار يراه بسبب الرسم وبين النتائج الجمالية التي صارت تعينه على فهم ما يحيط به تقنياً. وإذا ما كان سليمان قد أدرك في وقت مبكر أن الوصف لا يكفي، فإنه في حفرياته يلغي الوصف كلياً من قائمة مفضلاته.

يبدو الرسام مقتنعاً هذه المرة بخلاصة، يعبر عنها زهد واضح في المفردات.

غير أن ذلك الزهد لن يكون علامة تقشف. فلا يزال هناك الشيء الكثير من الترف اللوني والبذخ الشكلي الذي لا يعرض مقتنياته الجمالية إلا في سياق شغف يرى في الأشياء والوقائع الصغيرة رموزاً لعالم هو من اختصاص الرسم وحده.

لهذا يكتسب مفهوم الحفر طابعاً روحياً يتخطى قوة إحالته المادية المباشرة.

سيكون لائقاً أن نتبع أثر الرسام وهو يسعى إلى التقاط الضوء الخاطف الذي تركه مرور غزال، حسناء، كوكب، طائر وراءه؟ هناك ما يمكن أن يكون ملهماً للحفر في الهواء الذي لا يزال مشبعاً بالذكرى. يمكن للعين أن تميز فريستها التي تلاشت بعد أن امتزجت بما يحيطها. ألا يكون الرسم في هذه الحالة محاولة لإنقاذ الرؤى المنسية من الهدر المجاني؟ قد لا يرغب سليمان في أن يعيق متعتنا البصرية بالحديث عن نسيان، كان هو الآخر قد انجز مهمته ومضى محاطاً بحواشيه.

يخشى عبد الرحمن سليمان وهو واحد من أهم نقاد الفن في العالم العربي أن يهتم المتلقي بالحشو الفائض، مأخوذاً بغواية السرد، من غير أن يلتفت إلى تلك الأصوات الخفيضة المبهمة التي لو اختفت لما كانت هناك قيمة لأي سرد. إنها عصب الحكاية، موعدها المتأنق مع ضراوة خفتها، حبات سبحتها اللواتي كلما سقطت حبة تتأوه الحبة التي سبقتها. يعمل سليمان بتأن. يرسم كما لو أنه يستخرج جنيات من قارورة.

سيكون عليه أن يكون وفياً لما لا يُرسم. بذلك ينحاز هذه المرة إلى رؤى الصحراء التجريدية. لطالما كان توقه كبيراً إلى أن يكون رسام مدينة. ولكن أين هي المدينة؟ كانت رسومه من قبل تتـنزه بنا بين العلامات والإشارات والرموز وبقايا مشاهد عابرة، هي ما يمكن أن تختزنه الذاكرة من حياة كانت تتشكل مـستندة إلى عناصرها المادية. كان الرسم يومها نوعاً من المديح لخيار إنساني كان يتمظهر من خلال غباره.

الآن لا يظهر سليمان إلا ثقته بما لا يجعل يد الرسام أن تزلّ إلى الوصف.

صار الحقيقي يمتلك شروط قوته من قدرته على أن يكون جميلاً.

وهو ما يعني أن الرسام سيستمر في الحفر حتى لو لم يجد أرضاً. شيء من أناقة وحيه سيكون مصدر سرور، الرسم يخترع كائنات وأراضي وفضاءات ما كان لها أن توجد لولا رغبة مجهولة الدافع في أن يكون لنا عالم مجاور نعيش فيه حياتنا الحقيقية.

يحفر عبد الرحمن سليمان في الزمان باعتباره كتلة من الحليب المتخثر، مكانه عاطفتنا التي تلون أزقته برقتها.
بواسطة : الإدارة
 0  0  671

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية