• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

تشكيليان قطريان يؤكدان الهوية في الفن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الراي- في حديث الفنانين القطريين يوسف أحمد وأمل العاثم عن معرضهما التشكيليّ المشترك تبرز (قطر) بكلّ محبتهما لها؛ فهي الأرض والإنسان ومنبت الأحلام، وقد كتبا في مستهلّ المعرض، الذي افتتح برعاية السفير القطري زايد بن سعيد الخيارين في جاليري دار المشرق بحضوره النخبوي: ((قطر..الكلمة الوطن..هي مصدر إلهامنا..إنسانها وأرضها وسماؤها وبرّها وبحرها، تتسرب إلى أرواحنا وتتحول في أعماقنا إلى نبع للفكر والحلم والجمال، فتتفجر أعمالنا برائحة المكان وعبق الصحراء وصورة المرأة وهي تعانق أقمار حلمها بالحبّ والمعرفة والحريّة وأحلام الإنسان، وتتفجّر قصيدة الحياة على سطح اللوحة..).
في إطار المعرض، كان لـ(الرأي)مع التشكيليين العاثم وأحمد هذا اللقاء:
ما (المرأة) التي تحملها أمل العاثم، أسطورةً كانت أو واقعيّةً أو على صعيد الحلم؟!
خلاصة تجربتي هي في أنّ الفنّ لوحة المرأة لأيّ شعبٍ من الشعوب؛ من غير زيفٍ أو مغالطة. وأنا أرى الفن إن لم يستثمر ليحمل السلوك والهويّة والأحلام والذات فسيبقى رسماً على جدار. وهذا يشكّل هاجساً لي كأمرأة عربيّة، إذ أنّ المرأة رمز للحياة، تخاطب كل ما يحيط بها لتطرح السؤال الوجوديّ المنشود.

هوية الفنان
بعد كثير من التجارب العربية والعالمية يظلّ يوسف أحمد مرتبطاً بقطر، ضعنا بصورة ذلك في أعمال المعرض!
أنا من المؤمنين بأنّ أيّ فنانٍ أو أديب إن لم يكن مرتبطاً بجذوره ووطنه، فلن يستمرّ في عطائه أو هو لن يقدّم شيئاً. بالفعل بعد تجربتي الممتدة خارج دولة قطر وضعت يدي على خامة محليّة، هي (السعف) الذي يحمل عبق بلدنا، فاستثمرته لأصنع منه بعد تجفيفه عملاً إبداعياً يكفي أن أقول إنّه ينأى بهذه الخامّة أن ترمى على قارعة الطريق.
أعيد صياغة السعف، وقد أمرنا الرسول الكريم بأن نستوصي خيراً بعمتنا النخلة، وكيف وهي الشجرة المباركة المعطاءة الخصيبة، فكان الاشتغال جمالياً، وأردت في الحقيقة أن أعطي أعمالي رائحة قطر وأرض قطر. أستخدم الألوان الطبيعية التي تدل على هذه الأرض، وقد كنت هاجرت منذ زمنٍ طويل ووضعت الألوان الغربية جانباً، وأردت أن أصدّر هويّتي المحليّة، فهي بلا شكّ هوية اعتزّ بها ولها بصمة في هذا العالم الواسع. أنا أستثمر الخط العربي، ولا يمكنني أن أستغني عنه، وأشتغل عليه ليكون من نسيج العمل الفنيّ الذي أقدّمه. في 12 عملاً من أعمالي تجد مخطوطات قديمة وكتابات تشير إلى هويتنا التي نعود إليها مهما بلغنا من التجارب أو أثرت في أعمالنا المؤثرات.

المرأة والقمر
ألمح في (المرأة) شيئاً من التجريد. هل تنشد أمل العاثم رمزاً أو إسقاطاً أو تمرداً من نوعٍ ما؟!
المرأة عندي تمرّ بتجارب، وهو ما تراه تجريداً، إذ أصبح يلازمها خطّ أحمر هو بمنزلة الحبل السري، مع أنها لدي دائمة التجريب، وأنا دائمة التجريب، أيضاً، في الاشتغال عليها لوناً وتقنية. اليوم أشتغل على موضوع المرأة والقمر كعنوان لعدة مراحل مرت بها، وقد اشتغلت على جسر يربطها بالقمر، حيث حوار القمر ووجوه القمر التي هي وجوه للمرأة، وهكذا فأنت تراني أتناول في كلّ مرة قضايا تتنوع يضمّها هذا العنوان الكبير الذي هو المرأة. مع أنني أنفّذ كلّ تجربة بطريقة ربما تكون مغايرة للطرق الأخرى، فالمرأة عالم خصيب لديه كثير من الأسرار التي تثري العمل.
أشتغل على الخصائص المشتركة بين المرأة والقمر ، حيث احتجاب القمر أو ظهوره هو نفسه عند المرأة في مشاعرها وأحاسيسها، وهو ما يطرح لدي أسئلة.

الثقافة والفن
لا بدّ أن هذا استدعى من أمل العاثم تنافذاً على الشعر والفلك لتكوين (داتا) ثقافية تخدم المشروع!
في الواقع لقد درستُ كل ما يمكن أن يخدم اللوحة من أدب وفلسفة، وأنا دائمة القراءة في علم الفلك، كما أجد في القرآن الكريم كنوزاً لا تنتهي. تستهويني الأساطير، وأشتغل على ارتباط الجنين بأمه بذلك الحبل السري(الخط الأحمر)، وأوظف دورة القمر في عملي، وأدرس التأثير الفسيولوجي وخلافه مما يمكن أن يفيد. كما أشتغل على فلسفة ارتباط المرأة بالقمر كعلاقة وجودية، وفي معرض (جسر القمر) كشفت عن وجه المرأة مثلما كشفت عن وجه القمر بكل ذلك التأثير.
باختصار أقول إنّ نتاج قراءاتي وخلفياتي وأسئلتي التي تطرح نفسها وارتباطي بالشعراء والكتاب.. يدعمني لأن أبدأ اللوحة التالية بعد أن أنتهي من الأولى، وهكذا أتنافذ على كل ما يكمل لوحتي ويثريها انطلاقاً من أنّ اللوحة يغذيها الشعر والفلسفة والعلم والثقافة.

لون الصحراء
هل من فلسفة أو تجريد في (الحروفيّة) أو توظيف للسعف عند يوسف أحمد؟!..أسأل عن جماليات أو مقاصد ما؟!
أول ما يتحدث الناس عن التجريد يذهبون إلى أوروبا، مع أن الفن الشرقي، الإسلامي والياباني والصيني والقبطي فيه كثير من المعاني، فلا غرابة أن يعود الفنانون إلى فنونهم الأصيلة، وأعتقد أنّ التجريد بما هو خداع بصري وفيه معنى موجود بيننا، وقد تم إعطاؤنا فكرة أنّ التجريد هو فقط من الغرب.
وهي نقطة تحتاج إلى اتفاق قبل أن نناقش كثيراً من المسائل. خلال تجربتي الشخصية أنا محمل بالتجريد، لكنني مرتبط بالمحلية، وأقول إن تجريدي في قطر يختلف عنه في الخليج والدول الشقيقة. السماء الممتدة عندي، بكل لونها المغبر، والبحر الهادئ هي محفزات لأشتغل على الصحراء والألوان الرمادية الخاصة،..لون أستطيع أن أسميه (اللون الغبري).. وهو إذ يحمل الصحراء والبحر والسماء فإنه يكون من لدن قطر ومن بيئة بلدي بما يجعلني أعمّق إحساس الناظر إلى اللوحة في هويته وارتباطه الوثيق. وذلك ما يجعلني أفكر بمفاتيح بيني وبين المتلقي. في موضوع الحروفية أود أن اقول إنّني خطاط وأعشق الخط بصفته الرمز المشترك بيننا، وقد استثمره غيري بطرق متعددة، لكني عمدت إلى تذويبه مع الورق، فحملت به معنى الحب والقلب، والسلام في معارض أخرى، كما في كوريا، وقد بينت أنّ حرفنا العربي هو ذاته ينشد السلام. وفي لوحاتي اشتغلت على نص بصري أسميته (الحب والقلب).
فلا غرابة أنني من بلد يحترم الحرف العربي ويقدّره، فهذا الحرق يذوب عندي مع الورق، إذ لا بدّ أن يتخلل الخطّ العربي عندنا ويزيّن كلّ جملة أو آيه أو بيت شعر. الخط في كل مكان.

اهتمام الدولة
مؤسسياً، كيف منحت قطر الفن وجمالياته وتوظيفاته وتراثه وفلكلوره البعد الوطني في الجاليريهات أو الأحياء الثقافية أو حوافز الإقبال عليه. أسأل وقد كانت احتفت الدوحة بكونها عاصمةً للثقافة العربية قبل سنوات؟!
بعين يوسف أحمد الفنان والأكاديمي دارس الفن والمراقب لتطوره في قطر، يمكنني القول إنّ قطر سبقت زمانها وكثيراً من الدول الأخرى، وتكفي نظرة إلى المؤسسات الثقافية في هذه الدولة لنقف أمام متحف متخصص للفن الحديث المعاصر، وهو منذ عام 1994 ما يزال يقوم بدوره، بمعماره الفريد ومكوناته ومكنوناته، إذ يعتبر مزاراً للزائرين. خذ مؤسسة (كتارة) أنموذجاً في ذلك، إذ نستضيف الفنانين العالميين والمعارض ولدينا خطة مفصلة في هيئة المتاحف لإنشاء الكثير من المتاحف. معمار عالمي.. جاليريهات.. مسارح.. وسوف يلمس الزائر هذا عن قرب. وبالطبع فنحن نولي الوعي الثقافي الاهتمام الأكبر لدى أبنائنا وبناتنا بضرورة الفن وتأثيره الإنساني وجمالياته أو مراميه المنشودة.

مشروع كتارة
كيف تستفيد أمل العاثم الفنانة، والمرأة القطرية عموماً، من هذا الاشتغال المؤسسي على الفن هناك؟
بدلاً من أن يسافر الفنان من دولة إلى أخرى يجد في قطر أكبر المعارض وأشهر الفنانين. (كتارة) هي حي ثقافي في المسارح والأوبرا والقاعات المجهزة لأضخم المعارض. أنا سأتكلم في ما يخصني، فأقول إن المرأة في قطر متفهمة جيداً لمشروع الدولة في تطوير الفن والاشتغال عليه، فظهور الفنون في قطر جعل من المرأة على مستوى عالٍ من هذا الإدارك، وعلى مستوى الجيلين. ففي عام 1995، وبجهود الشيخة موزه وكونها مثالاً للعمل الجاد تفجرت الطاقات وظهر المبدعون والمبدعات، فتكرس لدينا الوعي الاجتماعي الحضاري لمجتمع مدني متحضر. وجهود الدولة واضحة في ذلك، إذ خصصت جوائز على المستوى المحلي أو العربي، خذ على سبيل المثال جائزة المرأة العربية. أقول هذا وأنا إحدى المحكمات، حيث 14 امرأة قطرية في مجالات متنوعة، في الفن والإعلام والطب والرياضة والتربية وإدارة الأعمال، وغير ذلك. وقد كانت هذه الجائزة التي تحتضنها دولة قطر تحفز المرأة القطرية وتشكل دعائم مهمة لديها نحو الثقافة والوعي.

الصورة النمطية
علاوةً على كون هذا المعرض المشترك وجهاً مشرقاً للفنان القطري ودولة قطر، هل تتغير الصورة النمطية عن ترف الفن في الخليج عموماً!.. أسأل يوسف أحمد؛ وهي صورة على أية حال تؤول إلى الاندثار؟!
في دراستي وتطوافي عربياً وعالمياً، أستطيع القول إنّها بالفعل صورة نمطية تكاد تنتهي، ومن واجبنا نحن المثقفين والفنانين أن نؤكّد جدية الفنان والمثقف الخليجي عموماً، والقطري تحديداً، نحو هذا الإبداع واتخاذ الفن مشروع حياة لا مشروع ترف أو لإزجاء الوقت. إذا كانت الدولة بكل جهودها تكرس هذا، فهل يقف الفنان القطري موقف المحايد إزاء كلّ هذه الحوافز والعمل الفني والثقافي المؤسسي؟!.. أعتقد أنّ الفنان القطري في تداوله مدارس الفن وألوانه وتقنياته بين الواقعية والتجريد له دور كبير في تغيير الصورة التي أشرت إليها بأنها نمطية. الفن مشروع مهم إما أن تستمر فيه أو تشتغل في غيره وهو ليس ترفاً لاحقاً، بل يتخلل كلّ حياتنا ويؤكّد هويتنا ومشروعنا الثقافي الذي لا نستغني عنه بحال.
في ما مضى كنّا نشتكي من قلة المعارض وصالات العرض، وهي الآن متوفرة على أعلى مستوى، وكنا ندرس الفنون خارج بلدنا ثمّ توفّرت الفرصة في كلياتنا ومؤسساتنا، وكنا نسافر للاطلاع على فنون إخواننا العرب والفنون العالمية، لكنّ كلّ ذلك موجود بين ظهرانينا اليوم في قطر، ولدينا زوار وجيل مهتم جداً بالفن ويقتني اللوحة، وأعتقد أنّ ذلك يشجع على ترسيخ الفن في نفوس أبنائنا ويروّج لأن يستمر.
بعد أن أنهيت دراستي في أمريكا، عملت مدرساً في جامعة قطر منذ بداية الثمانينات حتى عام ألفين وأربعة، وفي هذا المجال أود أن أشكر وأعرب عن تقديري الكبير لسمو الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني، وهو رجل متنور وطموح ولديه رؤية وانتماء، وقد أسهم كثيراً في هذا التطور. لقد جمعنا أعمال فنانين من الخليج وأعمالاً من كلّ الفنانين العرب والعالميين. هذا المشروع الفني مهم جداً، إذ يمكنك أن تقرأ تطور الفن التشكيلي في أي بلد موجوداً في قطر.

المال والفن
قد يكون شجّع على هذه الصورة النمطية أن قطر دولة غنيّة!.. ماذا ترى الفنانة أمل العاثم؟!
أؤكّد ما قاله الفنان يوسف أحمد، وأضيف أننا لا نجعل الآخرين يشتغلون عنا، أو ينجزون أعمالنا، بمعنى أنّ الفن الذي نؤمن به هو العامل الأقوى في استمرار هويتنا وترسيخ وجودنا، فالمال يا عزيزي لا يصنع وحده ثقافةً أو فنّاً، إذ لا بدّ من مثقف وفنان يؤمنان بقيمة الثقافة والفن. الفن لدينا ليس (برستيج) أو هو من نافلة الأمور، بل هو يتخلل وجداني كامرأة قطرية مثلما يتعزز في نفوس القطريين والقطريات والدولة التي تبارك هذا الشعور وتدعمه. صدقني، إنّ صورة الفن الحديث والتقليدي في قطر والاشتغال عليهما والاطلاع على مدارس الفن العالمية يؤكّد ما أقول، فلا أقل من أن تتغير هذه الصورة.
بواسطة : الإدارة
 0  0  494

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية