• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

لاحتفاء بالحياة الداخلية، و التناغم الروحي في منحوتات الفنان فهد الأزوري

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. محمد سمير عبد السلام مصر  تجسد منحوتات الفنان السعودي فهد الأزوري على الخشب، و الحجر رؤى الذات حول وجودها الفريد في العالم، و ما يتجاوزه من تناغم يتشكل في هيئة الاستدارة، و العمق الجمالي الداخلي في آن. يعيد الوعي المبدع إذا تشكيل العلامات، و الأشياء، و الشخوص في صورة نغمات داخلية مكثفة، و متداخلة، و مجردة، و صاخبة الحركة؛ و من ثم فهو يحتفي بالحياة في نظامها البنائي، و حركاتها البهيجة، و تطلعها للسمو الروحي، أو بحثها عن وجود آخر يتجاوز ندوب الألم، و الصدمات، أو اندماج الحياة الداخلية بوهج عملية التشكيل نفسها للعمل الفني في المنحوتة؛ و كأن الإبداع هو قراءة أخرى للذات، و للعالم الداخلي للفنان ، لا يمكن القبض عليها في حالة اكتمال؛ فالتشكيل مستمر في الزمن، و يومئ بالثراء، و الاختلاف. و بصدد علاقة التجريد في الفن بالقوى الداخلية يرى (كاندنسكي) أن القوى الداخلية لا تفقد تأثيرها، و قوتها بسهولة؛ فالكلمة غير المباشرة تتحدث إلى الروح، و موسيقى فاجنر تمنح الشخصيات مناخا روحيا، و يميل ديبوسي إلى التجريد الروحي مع القلق، بينما يجسد أرنولد شونبرج التجربة الموسيقية التي تتجاوز الأذن، و تصل إلى آفاق الروح . (Read / Wassily Kandinsky / Concerning The Spiritual in Art / Translated by Michael T.H. Sadler / presented by semantikon.com). هكذا يميل فهد الأزوري إلى تكثيف الانفعالات، و الحالات النسبية في لغة الحركة، و الإيماءة الموحية على الخامات النحتية؛ ففي منحوتة خشبية نعاين تكوينا يجمع بين الإنسان، و الطائر يشكل عملا غير مكتمل الأجنحة كأنه يستعد للطيران الخيالي. إنها نغمة الصعود التي تمتزج بالدقة، و التشكيل الإبداعي المستمر للذات في عمل يشبه مرآة داخلية، أو أن الذات تبني هويتها الشعرية من خلال عملية التشكيل الفني نفسها، و ما يصاحبها من إيحاءات الطيران، و الصعود، و إبداع منظومة روحية جديدة تتميز بالاختلاف، و الاستثنائية. و ربما يشير العمل إلى الأخيلة المكثفة التعبيرية عن حالات النفس في معزوفة موسيقية تستعيد لحظة البدء باستمرار. و نرى في منحوتة أخرى تشكيلا جسديا راقصا، و مجردا يتحرك في اتجاهات عديدة تلتف حول مركز متعرج من الخشب. العمل نغمة تتجاوز البعد الواحد، و تجسد ثراء لحظة الحضور، و تنوع مساراتها في سياقات جمالية متنوعة. إن الفنان يحتفي بالحياة، و شكولها النسبية المتنوعة في الداخل، و الخارج؛ و كأن الرقصة المجردة هي رغبة في تأكيد نشوة الحضور، و تشكيل لحظة متناقضة بين البهجة، و الصخب، و تبديل الحالات الداخلية في مسار روحي يطمح دائما إلى التناغم، و السلام. و لا يمكن الفصل هنا بين رقصة الجسد، و الطاقة الداخلية التي تجسد مبدأ الاختلاف الجمالي، و الاتحاد بالاتساع الروحي للحياة خارج أي شكل ظاهر، أو تكوين محدد الملامح. و نعاين في إحدى المنحوتات تكوينا يشبه الشجرة، أو اليد المنفتحة كالأفرع بعيدا عن مركزها. إن الذات تتجه نحو عوالم اللاوعي الفسيحة، و الإحساس الفطري بالخلود في كون آخر واسع يتصل بالجذور الروحية؛ فالضمير الشخصي ينفتح هنا في هيئة مستديرة متعالية على العوالم الجمالية غير المحددة في الجزء الأعلى من التكوين، دون أن يتخلى عن أصوله الفطرية، أو التاريخية المحددة في المسار الأسفل. و نرى في عمل آخر شكلا منبعجا، كأن إنسانا يتهيأ للصعود من داخله، و تحتضنه يد كبيرة، أو تكوين يشبه اليد. إنها ولادة جديدة ، و متجددة للذات، أو للعمل الفني المميز؛ فدائما ما يتهيأ الإنسان لحضور فني آخر يندمج فيه الوعي بالجمال الفني، أو الكوني. و ترمز اليد الكبيرة إلى العمل الدؤوب، أو التغيير الداخلي، و الخارجي، أو الرغبة في الامتلاك، و الإشارة إلى قوة الحضور الفني في اللحظة الإبداعية. و قد يعبر الفنان فهد الأزوري عن الأثر العميق للحروف المقطعة في القرآن الكريم في النفس، و ما تبعثه من أثر داخلي عميق؛ مثل (ألم) أو (حم). فنعاين شكلا ل (حم) في صورة نصف دائرية، يغلب عليها قوة الحضور في المشهد. إنه يسعى إلى الاطمئنان الداخلي، و الاستقرار من خلال الاستدارة المعبرة عن اليقين الروحي، و ما فيه من قداسة، و جمال. و تشير منحوتات فهد الأزوري الحجرية إلى الزخارف، و الشكول التعبيرية عن طبقات النفس، أو الوعي، أو الوجه بمعناه الروحي الداخلي. و قد أبدع الفنان في تلقيه للوجه التعبيري عن الانفعالات الإنسانية في منحوتة بعنوان (حنين)؛ إذ استخدم الثنايا، و التعرجات الجمالية الموجودة في بنية الحجر، و شكل منها ما يشبه الوجه الذي تأثر بعوامل الزمن، و التجارب، دون أن يصرح بكونه وجها؛ فهو وجه داخلي، و ليس خارجيا؛ إنه المدلول الروحي المكثف، و المجرد للوجه كتجربة، أو كحالة إنسانية، لا كتكوين ظاهر، و نعاين فيه آثار الصيرورة، و حركة الحياة التي تسعى لتجاوز نغمة الشيخوخة، أو قوة مواجهة الإنسان للتجربة، أو الفقدان لشيء، أو الحنين لما يتجاوز واقع التجربة الجسدية، و سطوتها، أو نحت مدلول الموت في الروح من داخل نسق الحياة الفنية. و نرى في عمل آخر تكوينا مخروطيا تنسحب خطوطه إلى العمق الداخلي، و تتعدد باتجاه الذات. يجسد ذلك العمق، و طبقاته العديدة مبدأي التشابه، و الاختلاف داخل الأنا، أو الميل إلى العزلة، و الرؤية الخيالية للعالم، أو الهروب الاستثنائي لعوالم الفن، أو محاولة اكتشاف الحقيقة الداخلية في منبعها الروحي الأصيل الدال على الكينونة، حتى يتجلى الصوت المتكلم ناصعا. و تتجلى نغمات الاستدارة، و معانقة الخلود في شكل به مجموعة من الزخارف في الجزء الأسفل، بينما يميل إلى الاستدارة في الجزء الأعلى، و في منتصفه كرة مطمئنة. إنه النموذج الذاتي الواسع حين يعانق المعاني الروحية السامية، أو حين يطمئن الضمير إلى وجوده المنطقي المتجاوز للتهديد من خلال تلك الاستدارة الإبداعية الدالة على استشراف الخلود. و في منحوتة أخرى نعاين الشكل الدائري، و الكرة المبنية على عمود داخلي يوحي بالقدرة على التحكم، و التسامي، و قوة الحضور. و في منحوتة حجرية أخرى على الجرانيت نعاين تكوينا يميل إلى التحدب، و يحوي عينا مجردة كأنها تنظر إلى العمق الداخلي للتكوين؛ و كأن الفنان يشير إلى اتساع الرؤية الداخلية للروح، و الصوت، أو إلى اتحاد العين بالمناطق و الفضاءات الروحية، أو الإبداعية؛ فهي عين نافذة، و حقيقية، و تحاول الصعود و الترقي في المجالات المتجاوزة للرؤية المباشرة للأشياء من داخل الرؤية المباشرة نفسها. إن الفنان فهد الأزوري يحاول القبض على الجذور الأصيلة للفن في تجليات اللحظة الإبداعية، و ما تحمله من نغمات شاعرية؛ مثل الأصالة الجمالية، و اكتشاف الصوت، و تطوير نزعاته الداخلية، و تكثيف لحظة التجاوز في الحركة المتشعبة، أو في جماليات الدائرة. د. محمد سمير عبد السلام مصر

msameerster@gmail.com


image
بواسطة : الإدارة
 0  0  1.1K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية