http://example.com/sitemap_location.xml

  • ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

اعتبرت روحية الزخرفة الإسلامية مصدر إلهام لها في التجريد الهندسي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الجزيرة التشكيلية سلوى شقير.. من تطويع الخطوط ورهافة اللون في اللوحة إلى صلابة النحت وترويضه

سلوى روضة شفير فنانة لبنانية من مواليد بيروت عام 1916، خطت لإبداعها مساراً حقق لها حضوراً عالمياً.. التقيتُ بأعمالها مباشرة في بينالي/ الشارقة الأخير 2015 في جناح خُصص لها ضمن أعمال أخرى في متحف الفن المعاصر بالشارقة. مررتُ بمعروضاتها مروراً عابراً خلال جولتي على بقية المعروضات في المتحف، لكنني عدت مرة أخرى لأسباب عدة، منها أن تلك الأعمال تستحق التمعن والقراءة المستفيضة، والآخر أن التجمع المتغير دون انقطاع من الجمهور الزائر على أعمالها أضفى شيئاً من حب الاستطلاع وتفعيل الحس الصحفي.

سألت من كان واقفاً، ولأكثر من مرة أعود فيها للمتحف خلال وجودي في الشارقة لتغطية البينالي، وتلقيت إجابات تلتقي في إحساس واحد مهما تنوعت.. وهو أن هذه الفنانة لا تُعرف في عالمنا العربي إلا عند القلة القليلة في وقت أصبح لها حضور في العالم، وأصبحت تعد من رواد الفن التجريدي في العالم العربي. لديها قناعة مطلقة بالأسس الحسابية للفن الإسلامي. اشتُهرت بمنحوتاتها المركبة من قطع عدة، كما دافعت طوال حياتها عن خصوصية فن، عماده الشكل كما الشعر عماده الكلمة. ترى أعمالها كما فهمته الفنانة ذات الولع العلمي، هو شكل تجريدي لا يوصف بالخطوط والمساحات والألوان، بل إنه مجموعة المعادلات القائمة بين عناصر العمل والعمل ومحيطه.

إعلامنا وغض الطرف

عن المشهد التشكيلي

الغياب بين الفنانين التشكيليين العرب وجهل بعضنا ببعض في فترات افتقارنا لسبل التواصل الحديثة جعلنا نهمل الكثير من الأسماء المهمة والكبيرة التي أسست مسيرة الفن التشكيلي العربي، ورحلت دون أن تُبقي لها أثراً إلا من كتب لا تتجاوز المكتبات والمؤسسات المعنية بالفنون في الدول التي طُبعت فيها، ومنها - على سبيل المثال - مصر والعراق والمغرب وسوريا، باعتبارها الأسبق في الاهتمام بالفنون الجميلة عامة، والفنون التشكيلية خاصة، التي كان لنا حظ خلال دراستنا في معهد التربية الفنية بتلقينا واكتسابنا تجارب من معلمين فيها، هم في الأصل فنانون معروفون في تلك الدول، وكان وجودهم سبباً في معرفتنا بالفنانين في دولهم.

ذلك الغياب ونقص المعلومة دفعاني والكثير من المهتمين بالمعرفة التشكيلية إلى أن يبحثوا عن سُبل أخرى، فكانت المجلات التي تصدر من مصر ولبنان من الصياد والأسبوع العربي من بيروت وآخر ساعة من مصر.. وهنا أذكر الناقد الكبير شربل داغر الذي كان أحد أسباب معرفتي ومتابعتي للفنانين الرواد في لبنان في السبعينيات الميلادية، وكان منها أن تعرفت على ضيفتنا الرائدة التشكيلية اللبنانية المولد العربية الانتماء العالمية الشهرة سلوى شقير.

ومن المؤسف أن لا تحظى الفنانة سلوى شقير بالاهتمام وبالمتابعة والتغطيات الإعلامية العربية إلا بعد انتشارها عربياً، وبعد التكريم الذي لقيته في بينالي الشارقة الثالث للفنون من دولة الإمارات العربية عام 1997، وما وجدته من إعجاب عالمي عام 2013م بعد معرضها في لندن، مع أنها بدأت مشوارها الفني في أربعينيات القرن الماضي من خلال الرسم والتلوين بعد تجربة قصيرة في محترفي رواد الفن اللبناني الفانين عمر الأنسي ومصطفى فروخ، مع ما تشعر به من سعي مبكر للابتعاد عن محاكاة الواقع كمبدأ للرسم؛ إذ كانت أعمالها الأولى في الأربعينيات تخلو من واقعيات المنظر. كانت متأثرة في رسومها المائية واسكتشات الفحم بالفنانين العالميين بول كلي وميرو وبراك، سرعان ما وجدت فضاءها اللائق في التجريد الهندسي؛ لتواصل بحثها وصولاً إلى اكتشاف جماليات فنون العمارة الإسلامية..

معرضها البيروتي الأول (1947) الذي ضم مائياتها التجريدية الأولى استُقبل بفتور وسوء فهم، كانا بالنسبة إليها برهاناً على فرادة طموحاتها.

بين مصر وباريس تطورت التجربة

أضفت زيارتها لمصر واطلاعها على روائع الآثار الفاطمية والمملوكية زيادة في وعيها وعشقها بالفنون الإسلامية التي اتسمت بها أعمالها في مرحلة من مراحل تجاربها، التي منها الاتجاه للخطوط والمساحات الهندسية، وقدمتها في معرضها الأول في النادي الثقافي العربي في بيروت، الذي كانت تعمل فيه مسؤولة عن تنظيم المعارض والمحاضرات.. إلا أن المرحلة الأهم في حياتها وتجاربها الفنية هي انتقالها إلى باريس على مدى ثلاث سنوات، من 1948 - 1951، والتحاقها بمعهد الفنون الجميلة، ومن ثم بالغراند شوميير، واكتسابها الخبرات في محترف فرناند ليجيه، وكان لعملها مساعدة إدارية مسؤولة عن إعداد محاضرات ومقابلات مع الفنانين في محترف الفن التجريدي للفنانَين جان ديوان وادغار بيلي فرصة للتعرف على أكبر مساحة من عالم الفن والفنانين في باريس، ومن تجارب وإبداعات مختلف الأعمار من فنانين مخضرمين وشباب، أمثال الفنانين جاك وبسون ووسونيا دولوني وفازاريللي وبولياكوف.. هذا التلاحم والحضور في هذا العالم أشعل فيها جذوة الإبداع، فكان لها أن أقامت معرضاً في غاليري كوليت ألندي المختصة بالفن التجريدي في باريس، كما شاركت في صالون الحقائق الجديدة.

حقق من خلال هذا الحراك تلقيها دعوة من النحات سيزار للمشاركة في صالون أيار/ مايو في باريس أوائل السبعينيات. وبهذا التحرك واكتساب الخبرات خرجت مفهوم أن الفن التشكيلي إبداع لا يقبل التقليد، وإلا أصبح إبداعاً وفكراً ميتاً. وقدمت للعالم مفهوم الزخرفة الإسلامية، وأنها أصل وروح استلهامها للفن التجريدي الهندسي الذي اشتُهر به الفنانان الروس تاتلان وبفنسر وكندنسكي.

تكريم رسمي تمثل في كتاب توثيقي

لا شك أن للجهات الرسمية المسؤولة عن الثقافة والفنون دوراً في توثيق مسيرة المبدعين في أي من روافد الثقافة والإبداع. ومن هذا المنطلق أصدرت الثقافة اللبنانية كتاباً، تناول مسيرة بعنوان (سلوى روضة شقير.. حياتها وفنها). وتضمن الكتاب حياة الفنانة وفنها، في طباعة فاخرة وإخراج أنيق، بـ182 صفحة من القطع الكبير، باللغتين العربية والإنجليزية، وقدمت له ابنتها هالا شقير، وتحدثت عن والدتها قائلة «إن سبب وجود هذا الكتاب هو رغبة والدتي في رؤية أعمالها الفنية الكاملة مجموعة في مجلد واحد. لكن الشيخوخة غافلتها؛ فاستنفدت نشاطها، ومنعتها من تحقيق مشيئتها».

الكتاب - كما أشار إليه نقاد ومحللون - أشار وكشف ما يمكن أن يعرف برائدة التجريد الهندسي في لبنان والعالم العربي سلوى روضة شقير، وعرفها إلى الأجيال التشكيلية والمثقفين، بما جمع فيه من نصوص وصور، مشيرين كما جاء في قراءات بعض النقاد إلى أن الفنانة سلوى قلما ترضى عن نص يُكتب عنها أو تثق بناقد يتناول تجاربها ومراحلها.. فمن يخالفها في أفكارها أو يجادلها بها أو يبحث لتجاربها النحتية عن قرابة تربطها بالحقائق الفنية والمدارس الموجودة في الغرب يكون خانها وظلمها.. ولطالما لحق بها الظلم والغبن والخيانة حتى باتت هذه المواصفات لصيقة بشخصيتها التي تعرف كيف تتحين الفرص كي تجادل وتصادق وتعادي وتهادن. وهي بالطبع شخصية فذة وصلبة ورائعة في آن. مضيفين بأن الفنانة سلوى عانت طويلاً الإهمال الرسمي لها، الإهمال الذي طال معظم الفنانين التشكيليين والنحاتين، والفنانة سلوى منهم على وجه الخصوص.

سيرة عطرة ومسيرة حافلة

الناقد سيزار نمور يقول إن النحاتة شقير هي أكثر فناني جيلها التي حصدت الأوسمة والجوائز التقديرية على المستوى الرسمي اللبناني والعربي، على الرغم من أن جل إنتاجها النحتي ظل ضمن نطاق الأحجام الصغيرة والمتوسطة التي في مقدروها أن تنفذها داخل مساحة محترفها، ولم يتجلَّ إلا نادراً في تماثيل نصبية ضخمة. ذلك بالطبع لا يقلل من قيمة تصاميمها النحتية القابلة للتكيف بأناقة لا مثيل لها مع الوظائف الحديثة للنحت المتصلة بهندسة العمارة داخل الفضاء المديني، ولطالما حلمت سلوى بأن تنطلق أعمالها لتتنفس وتعيش في محيط الناس ووسط الأبنية والحدائق. والنحت ليس للزينة، بل هو متصل بشكل أساسي بالإنسان والمعمار. فالهندسة المعمارية هي محور الفنون وتجسيد للثقافة الإنسانية. وهذا المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه تيار البنائية في الفن التجريدي في الغرب ومدرسة الباوهاوس، ومن قبلهما المبادئ التي ترتكز عليها مختلف مجالات الفنون الإسلامية.

كما وصف الناقد جوزف طراب سلوى روضة شقير بأنها «محلقة فوق السرب»؛ لأن أفكارها سبقت عصرها. ويتذكر التأثيرات الجمالية التي أوجدها معرضها عام 1962 في نفسه، وكان ما زال طالباً في العلوم الإنسانية والاقتصادية، يبحث عن ذائقته الخاصة التي وجدت مجالها في النقد الفني. ما يثير إعجابه بها هو إصرارها على تنفيذ عملها بنفسها؛ إذ إنها امتلكت من الخصائص الفنية ما جعلها رائدة في لبنان والشرق عموماً، معتبراً أن تلك الخصائص مرتكزة على جوهر المبادئ الفلسفية للفن الإسلامي من دون أن تكون أسيرة الزخرفة؛ «لذا فهي مجدِّدة».

بدأ مسارها الفني منذ أوائل الأربعينيات من القرن العشرين بدراسة الأصول الكلاسيكية والدراسات التشريحية للجسم الإنساني والطبيعة. تتلمذت على يد اثنين من معلمي الانطباعية اللبنانية: عمر الأنسي ومصطفى فرّوخ. تميل نحو اختصارات الأشكال ضمن المنهج التسطيحي في موازاة الألوان الحارة التناقضية. ركزت على الزخرفة الإسلامية بعد زيارتها القاهرة في عام 1943، وتأثرها بما رأته من آثار الفنون الإسلامية.

أقامت معرضاً في عام 1947 في صالة النادي الثقافي العربي في بيروت، وكان عبارة عن رسوم بالألوان المائية. قصدت باريس في عام 1948 لدراسة الفن. التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتابعت دروساً في الجدرانيات والحفر والنحت، ثم التحقت بمحترف الفنان فرناند ليجيه لمدة ثلاثة أشهر فقط. تعرفت إلى فنانين عالميين: فازاريللي بولياكوف صونيا دولونيه مورتسن جاكوبسن، وسواهم. عملت في محترف جان ديوا وإدغار بيلي للفن التجريدي مساعدة إدارية مسؤولة عن إعداد مقابلات مع فنانين وتحضير المحاضرات. أقامت سلوى معرضها الفردي الأول في باريس في غاليري (كوليت ألندي المختصة بالفن التجريدي في عام 1951). استطاعت سلوى أن تربط بين روحانية الفنون الإسلامية والتجريد الهندسي، مكتشفة العلاقة الكامنة بين النظام والجمال الخفي المبني على الأسس الحسابية والرياضية لفنون الخط والزخرفة الإسلامية.
بواسطة : الإدارة
 0  0  7.6K

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية