• ×

زيارات تشكيلية


ذوي الاحتياجات


فيديو

قائمة

أعمال «ميليه» أنموذجاً.. عندما يكون الفن رسالة إنسانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الرياض-هدى العمر 
منذ ظهور فنون عصر النهضة الأوروبية الإيطالية « Renaissance « في بداية القرن الرابع عشر، التي كانت إحياء للأمجاد الإغريقية، ونهضة بلاد شمال أوروبا «هولاندا وبلجيكا» في القرن السابع عشر، وما تلاها من فنون الباروك والركوكو، وصولاً إلى الكلاسيكية الجديدة التي صاحبت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، كان الفن يُعرف بأنه «الترديد الحرفي لموضوعات التجربة المعتادة وحوادثها» أي أن الفنان ينقل حرفيا ما يراه بعينيه، ويطابقه تماما.

ورغم أن قواعد الفنون كانت صارمة وعلى كل فنان أن يرضخ لها حينذاك إلا أنه في «لندن» ظهرت حركة فنية تمردية على هذه الأساليب تزعمها الفنان الإنجليزي جون كونستابل» John Constable 1776-1837» وعرف بابتكاره المميز في رسم المناظر الطبيعية، التي خالفت في نفس الوقت الأسس المرعية والتي كانت تقتصر على رسم الطبيعة داخل المراسم وفقا لقواعد ثابتة وكأنها معادلات حسابية حينذاك ولكن كونستابل تجرأ وخرج إلى الطبيعة وأخذ يرسم تأثيراتها وتقلبات الجو، وما تحدثه للمنظورات الطبيعية سواء أكانت هناك رياح أم أمطار أم عواصف أم أشعة الشمس أم انعكاس ضوء القمر، ورسم هذه التأثيرات مباشرة على لوحاته، وبالتالي انتقل هذا الأسلوب إلى فرنسا وتبعتها بلدان أخرى.

ومن هنا نجد أن فكر الفنان لا يقتصر في عالم فنه بما يراه بعينيه فقط، ولكن ما يحسه أيضاً بمشاعره فإذا حللنا مثلاً عملا فنيا به سماء ربما نصف السماء بأنها زرقاء، وهنا نصف ما تراه العين، ولكن إذا قلنا إن السماء تتدرج من اللون الأزرق القاتم إلى الأزرق الفاتح إلى لون يكاد يكون أبيض على خط الأفق فهنا قد أضفنا الإحساس والعمق التحليلي لما نشعر به ونراه معاً.

إن الطبيعة تمنحنا واقعاً جميلاً من صنع الخالق عز وجل، يستطيع أن يضيف إليها الفنان أحاسيس شاعرية كالتي اتضحت في لوحات الفنان الفرنسي جان فرانسو ميليه» Jean-Francois Millet 1814-1875» والتي استطاع من خلالها أن يوحي بمعنى الحب الذي تكنه مشاعره نحو الفلاحين فنجد في لوحة « انجليس» التي رسمت ما بين عامي 1857-1859 رجلا وزوجته في حقل البطاطس، والبطاطس كانت الغذاء الوحيد لكثير من الفلاحين الفقراء حينذاك، وقد وقف الرجل وزوجته في لحظة سكون مع الخالق عز وجل يدعوانه بأن يمنّ عليهما بخيراته،..

ورغم صغر هذه اللوحة التي تعرض الآن في متحف «الجراند باليه»، في باريس نجد عمق التعبير والانطباع الآسر الذي تمثل في لحظة عناق واضحة الرقة والشاعرية بين الرجل والمرأة في رؤية هادئة، تهدف في مضمونها إلى انعكاس الشحنة الانفعالية تجاه أحاسيس هؤلاء الفلاحين البسطاء التي نلمسها في أدوات الفلاحة المحيطة بهم، وملابسهم، التي لا نكاد نرى ألوانها واضحة وقد مزجت مع لون تربة الحقل، وانعكاس ضوء الشمس التي سقطت خلفهما لنراهما في الظل بصورة مختلفة في التكوين تمنح الرأي إحساساً قوياً بالبيئة الاجتماعية ومخاوف وآلام هؤلاء القوم.

ونلاحظ في لوحة أخرى لجان ميليه تدعى «استراحة الحصاد» رسمت عام 1850م، والقصة وراء هذه اللوحة في المرأة التي على يسار اللوحة، وهي أرملة جاء بها رجل إلى فلاحي البلدة وقت حصاد القمح ليحثهم على مد يد العون لها، فنرى في هذه اللوحة رؤية إنسانية بإحساس درامي مأسوي يعكس المأساة التعبيرية الحادة في حالة اليأس الدفين، الذي انعكس على حركة الأرملة وتعبيراتها في فراغ تشكيلي عبقري ومدروس يعطي الإحساس بالشحنة الانفعالية للمشاهد.

كما نرى في لوحات عديدة أخرى لميليه البعد الأدبي الذي أضافه للمناظر الطبيعية كلوحة « إطعام الصغار»، ولوحة «عمال الغابات في مناشير الخشب « و» مزارعي البطاطس « و»الراعي»، والعديد من اللوحات الأخرى المماثلة للفنان جان ميليه التي لم تمثل فقط الطبيعة التي عشقها ورسمها في أغلب أعماله الفنية، بل أضاف إلى مشاهدها تعبيراً أدبياً يؤكد على نمط فني وثراء تعبيري ندركه في ملامح شخصياته التي تمثلت في ضربات فرشاة دقيقة في إيقاع هادئ ووعي أكاديمي للنسب في أشكاله تجعلنا نري الدراما والمعاناة تظهر بوضوح في أعماله وألوانه وخطوطه التعبيرية الفذة.

إنه التناغم الشاعري الساكن في التعبير بين الطبيعة، والمواضيع الإنسانية في رؤية عميقة ببناء فني لخصته ريشة الفنان في سلسلة من اللوحات تصور حياة قوم وزمن تجعلنا نشارك ماضيه، ونلم بوضعه الاجتماعي، وكأن كل لوحة من هذه اللوحات صفحة من ضمن كتاب لا يحتاج لمن يطلع عليه أن يكون ملماً بأحرف اللغة الأبجدية.
image
بواسطة : الإدارة
 0  0  259

قراءات تشكيلية


معارض الكترونية